بقلم / ياسر رافع
لا شك أن شخصية الحجاج بن يوسف الثقفى هى الأشهر بين الجلادين الذين نكب بهم التاريخ الإسلامى بل عد من الشخصيات الدمويه التاريخيه .. ولكن مهلا فهناك نظرة أخرى لم يلتفت لها الكثير ربما تغافلا متعمدا حتى يبعدوا الشبهه عن آخرين هم السفاحين الحقيقيين .ففى خطاب موجه من الخليفة الأموى الأشهر " عبد الملك بن مروان " إلى واليه الدموى الحجاج بن يوسف الثقفى على خلفية خلاف بين الحجاج وبين الإمام الأشهر الصحابى الجليل " أنس بن مالك " ، تتلخص الحكايه وتتبين الحقيقه هل الحجاج بين يوسف الثقفى جزار سفاح أم أداة نفذت ما آراده الخليفه ؟! ففى نص الخطاب قال الخليفه :
" بسم الله الرحمن الرحيم :
من عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى الحجاج بن يوسف ، أما بعد :
فإنك عبد طمت بك الأمور فسموت فيها ، وعدوت طورك ، وجاوزت طورك ، وركبت داهية إدّا ، وأردت أن تبورنى فإن سوغتكها مضيت قدما ، وإن لم أسوغها رجعت القهقرى ، فلعنك الله عبدا أخفش العينين ، منقوص الجاعرتين ، أنسيت مكاسب آبائك فى الطائف وحفرهم الآبار ونقلهم الصخور على ظهورهم بالمناهل ؟ يا إبن المستفرمة بعجم الزبيب ، والله لأغمزنك غمز الليث الثعلب والصقر الأرنب ، وثبت على رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا فلم تقبل له إحسانه ولم تجاوز له إساءته ، جرأة منك على الرب عز وجل وإستخفافا منك بالعهد ، والله لو أن اليهود والنصارى رأت رجلا خدم عزير بن عيزرا ، وعيسى بن مريم لعظمته وشرفته وأكرمته ، فكيف وهذا أنس بن مالك خادم ثمانى سنين ، يطلعه على سره ويشاوره فى أمره ثم هو مع هذا بقية من بقايا أصحابه ، فإذا قرأت كتابى هذا فكن أطوع له من خفه ونعله ، وإلا أتاك منى سهم مثقل بحتف قاض ، ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون "
من يقرأ هذا الخطاب ممن تستهويهم ظواهر الأمور سيرتفع صوته بالتكبير والتهليل لأن أمير المؤمنين وخليفة المسلمين قد إنتصر لصحابى جليل وقيمه دينيه كبيره ورجل من رعيته بعث إليه شاكيا من والى ظالم جبار دموى الطباع ، لكن تعالوا نحلل الخطاب سويا ،
فعلى الرغم من القوه اللغويه القويه فى الخطاب والتى تنذر بعظائم الأمور ، وكمية الشتائم التى لم تقتصر على الحجاج فقط بل طالت أمه نفسها بأقذع وصف ممكن أن يصف به حاكم واليه ، فوصف والدة الحجاج بأنه تفرى الزبيب وتضعه فى فرجها لأنها كانت كثيره الزواج حتى تظهر وكأنها لم تمس قبلا ، فى إهانه لا تخطأها عين تريد أن ترى فى حاكمها حازما يريد العدل ، وكذلك محاولة تبجيل أنس بن مالك لأنه خادم رسول الله ، إلا أن الذين رأوا عدلا من الخليفه وروجوا لدموية الحجاج بن يوسف الثقفى طوال التاريخ الإسلامى لم يذكروا ولو مرة واحده من هو الشخص الذى أصدر الأوامر للحجاج بقتل العالم الجليل سعيد بن الجبير الملقب بـ " تلميذ حبر الأمه " ، ومن أصدر الحكم بإقتحام وضرب الكعبه بالمنجنيق وقتل إبن حوارى رسول الله " عبد الله بن الزبير بن العوام "
إنه الخليفه عبد الملك بن مروان نفسه وولده من بعده " الوليد "، الذى إنتصر لأنس بن مالك لأنه لم يكن يعارضه بل كانت مكانته الدينيه وقربه للرسول (ص) فيها ما يجعل لحكمه شرعيه ، ولم يوبخ إبنه من بعده الحجاج على قتله سعيد بن الجبير لأنه كان يعارض حكم بنى أميه ويدعوا عليهم ، وهو الذى لم يرمش له جفن عندما تم ضرب الكعبه بالمنجنيق وقتل عبدالله بن الزبير الذى خرج على حكم الآمويين وأراد أن يستقل بمكه والمدينه أساسا شرعية حكمه
هذا هو الخليفه وهذا هو واليه ، من فيهما القاتل ؟ ومن فيهما المظلوم ؟
عذرا لا تتسرع فى الإجابه فالسلطه شرعيتها المستمده من الدين وطبيعة الحكم ، فالخليفه وواليه لم يتهاونوا مع معارضيهم لسببين رئيسيين ، الأول وهو أن كلا المعارضين بالقول والفعل إبن الجبير وإبن الزبير قد أثارا عليهما العامه وجاهرا بالعداوه وهو تهديد يجب أن يؤخذ بالشده ، والثانى أن كلا المعارضين مارسا فعل المعارضه فى مكه المكرمه أساس شرعية الحكم ومن دونها لا أساس لحكم بنى أميه وهنا كان القرار بالتصفيه
من يريد أن يحكم على الحجاج بن يوسف الثقفى يجب أن يكون مدخله لفهم تلك الشخصيه هو مدخل شرعية حكم تريد أن تتجذر فى الأرض ! شرعيه تريد أساس دينى ، وتعلم بحكم التاريخ السابق معنى إستعمال القوة وإسالة الدم لإخضاع العامه . غير ذلك فالحكم على شخصية الحجاج ستظل أسيرة فى يد الموالين للحكام من كتاب التاريخ الذين يرون فى الحاكم العدل فقط وأن ما يتم من أفعال أخرى مخزيه فإنما تتم من وراء ظهره وهو منها براء .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه