بقلم / ياسر رافع
فى مثل
هذا اليوم منذ ثلاث سنوات كنا على موعد مع تنظيم إحتفاليه كبيره بمناسبة السادس من
أكتوبر ، وبينما تتواصل فعاليات تلك الإحتفاليه وسط حضور لجمهور كبير ، حتى حانت
لحظة توزيع شهادات التقدير لأسماء الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم ، وكذلك كل من شارك
فى تلك الحرب المجيده ، وما أن تسلم الجميع ومن ينوبهم تلك الشهادات الرمزيه ، حتى
جاءنى من يخبرنى أن هناك من بين من كرموا رجلا شيخا يبكى .. فقلت له لماذا ؟ فقال
: إنه يقول " أول مره حد يفتكرنا و يكرمنا " .. فصمتنا ولم نعلق .
إنه الإحساس
بالقهر الذى يولد المراره داخل النفس الذى لا يكسر حدته إلا التقدير ولو بمجرد
شهاده مكتوبه لا يتعدى ثمنها القروش القليله ، ولكنها تعنى لرجل شارك فى حرب
الدفاع عن الشرف والعرض الكثير ، إنها التى تبقيه حيا فى ذاكرة أمته ، وأن ما فعله
لم يكن مجرد دفاع عن نخبه خذلته وتركته وحيدا يقتر ذكريات بل دفاعا عن شرف أمه
بكاملها ولم يكن يتنظر طوال حياته آكاليل الغار توضع على رأسه كل عام ، بل مجرد
كلمه طيبه تذكره بأنه حى فى الذاكره .. إنه ابن سواد الأرض إبن الفلاحين
عندما بدأت بواكير الفتنه فى عهد الخليفه " عثمان بن عفان " وحدث لغط
طال سمعة الخليفه وسمعة الخلافه الوليده ، وظهرت بوادر تمرد وإنشقاقات تنذر بعواقب
وخيمه ، فكان أن كتب المخلصين من صحابة رسول الله (ص) كتابا للخليفه يحذرون فيه من
الخطر ويقترحون فيه حلولا للخروج من الأزمه ، وكلفوا " عمار بن ياسر "
بأن يكون رسولهم إلى الخليفه ولكن ما أن سلم الكتاب إلى الخليفه حتى هاج المجلس
وتبادل الجميع الإتهامات هنا قام " مروان بن الحكم "_ أول حاجب لحاكم فى
تاريخ الإسلام _ بلطم عمار بن ياسر على
وجهه واصفا إياه " بإبن السوداء " لأن أمه سميه كانت سوداء اللون ، وقام
بطرده من المجلس لأنه تجرأ وهو من عامة فقراء المسلمين على أن يطالب الخليفه بما
ليس من حقه من وجهة نظر المتحلقين حول الخليفه الذين إختطفوا الدين وحولوه إلى ملك
عضوض بعد ذلك ، ولم يشفع لهذا الصحابى الجليل بشارة النبى له بأنه سيموت شهيدا
وتقتله الفئه الباغيه من زمره لا تعرف إلا الحكم حتى ولو على أجساد الجميع . وتدور
الأيام ويموت الصحابى الجليل وهو قد تجاوز التسعين عاما فى موقعة صفين محاربا
بجوار الإمام على بن ابى طالب فيتوقف جنود معاويه عن القتال وتذكروا أن موت عمار
بن ياسر بشاره للفئه الناجيه وسط فرحة جنود الإمام على الذين أيقنوا أنهم على الحق
.. هنا صاح معاويه _ وقيل عمرو بن العاص _ " إنما قتله من أرسله "
وأستأنف القتال بين الفئتين وقتل خلق كثير على مذبح الملك العضوض وأصحاب النفوذ .
إذا ما الذى يجمع بين " إبناء سواد الأرض " وبين " إبناء السوداء "
؟؟
يجمعهم البدايات والنهايات .. بدايات
الفقر والعبوديه فى مجتمع لا يعترف إلا بالحكام وحجابهم وزمرة الأغنياء المتحلقين
بهم ، الذين جعل الله على يديهم التفرقه بين الحق والبغى ، إنهم الذين صدقوا ما
عاهدوا الله عليه ، لم يثنيهم أحد على أن يلتحقوا بمواكب الشرف التى جعلت منهم رمزا
يحتذى به على مدار العصور المختلفه . ونهايات قتل فيها الكثير منهم ولكن لم يفت
هذا فى عضد من تبقى وساروا على الدرب ،
ولكن ؟؟؟؟؟ بعد مرور الأيام والسنوات
فقد بدا أن الإثنين قد فطنا إلى أن ما قاوموا من أجله وقاتلوا وقتلوا فى سبيله لم
يكن إلا آكاليل غار توضع على رأس الحاكم وإحتفالات وكرنفالات تحضرها طبقة الحجاب
والمتحلقين بهم من الأغنياء وسكان القصور المحاطه بأسوار عاليه ، وذرا فى الأعين
إكليل على قبر رمزى لمن قتل منهم . ولكن أين الأحياء منهم وسط هذا الزخم من
البطولات التى يتداولها كبار الدوله ؟ لقد سقط من شارك فى حرب اكتوبر من حسابات
الذكرى ولم يعد أحد يتذكرهم ، إنهم الذين تواروا بعظمة المنكرين للذات ، مترفعين
على أن يتفاخروا بما فعلوه ، لأن ما فعلوه كان للتفرقه بين الحق والباطل ، وأن
تحررهم من نير عبوديه الحكام الأجانب له ثمن ، ولكنهم لم يتخيلوا أن تكون نهايتهم
هى المحافظه على زمره حاكمه وأثرياؤها الذين تركوهم وسكنوا قصورا محاطه بأسوارا
عاليه تحميهم من أبناء سواد الأرض الذين ينظر إليهم بعد كل التضحيات التى ضحوها من
أجل هذا الوطن على أنهم أبناء السوداء عبيدا يخدمونهم ..
ياساده أبناء الفلاحين _ سواد الأرض _ هم وقود هذه الأمه وعماد نهضتها ، فلا
تعاملوهم معاملة من سبقكم على أنهم أبناء السوداء ، فهم على يديهم فرق بين الحق
والباطل ، فمجرد رمزيه بسيطه ستعيد لهذا الوطن فى نفوسهم أملا فى أن هذا الوطن لا
زال باقيا فى قلوبهم ، ولم يحبس فى كمبوندات الأثرياء .. إن ما تبقى منهم على قيد
الحياة ليسوا كثيرا فهل تتذكر الدوله أن تكرمهم ولو بعمل شهادات تقدير أو حفل بسيط
فى كل مكان يتواجدون فيه ؟؟ حتى لا يأتى اليوم الذى تتحول فيه بمرور الأيام تلك
الذكريات إلى صدى صوت الأثرياء الذين إختطفوا الوطن ويصبح وضعهم لإكليل الزهور على
قبر الجندى المجهول لا يعدوا كونه رمزا لتضحية إبن السوداء الذى ضحى من أجل سيده
..
رحم الله شهداؤنا الأبرار .. وبارك اللهم فى أحياؤهم .. وأبدا لن يكونوا أبناء
السوداء
دولا مين .. ودولا مين .. دولا عساكر مصريين
دولا مين .. ودولا مين .. دولا ولاد الفلاحين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه