الثلاثاء، 21 ديسمبر 2021

عرب كروز و عرب كاليبر




 

بقلم / ياسر رافع

هناك كالعاده من يرى الضربات الجويه والصاروخيه الأمريكيه من منظور ضيق يغلب عليه العصبيه الزائده المفعمه بشحنات عاليه من الوطنيه تشبه لمس سلك كهرباء فيعلو الصراخ وما أن تنتهى الضربات ودفقات الكهرباء حتى تعود الأعصاب الملتهبه إلى ما كانت عليه رد فعل فقط لا غير ، لا يغير من قواعد اللعبه السياسيه فى المنطقه بل ونقولها صراحة الكل يعود إلى معسكره الذى يناسب أفكاره ويمارس فيه كالعاده هوايته الأزليه وهى توجيه الإتهامات يمنة ويسره .. ولكن قراءه بسيطه وهادئه لما حدث وصولا للضربات الأمريكيه على سوريا بالأمس سيساعدنا على فهم أوضح وأشمل لما حدث والذى لم يكن مفاجئا لأحد إلا الشعوب العربيه فقط ، فمن المعروف فى السياسه الأمريكيه الداخليه أن كل رئيس أمريكى له " حربه الخاصه " والتى يجب أن يخوضها بأى شكل لبيان قدرتة على القياده ، وقد مارس كل رئيس أمريكى تلك الحرب بوسائل مختلفه ولكن وسائل إستخدام الصورايخ المجنحه العابره " كروز " أصبح معتادا ومفضلا لدى كل رئيس أمريكى خصوصا بعد أن ثبت نجاحها فى حرب تحرير الكويت 1991 ، وقد مورس هذا الفعل الصاروخى فى منطقتنا العربيه فى العراق واليمن والسودان  وهو وسيله ناجعه للتعبير الأمريكى عن مصالحه وقدرته المطلقه فى المنطقه والتى تقوم على شبكة تحالف تتيح لصواريخه التحرك بحريه فى المجال الجوى العربى بحريه دون عوائق . هذا فى مقابل صواريخ روسيه مجنحه " كاليبرا " النظير الروسى لصواريخ كروز الأمريكيه فوجئ الجميع بإستخدامها فى العمليات العسكريه الروسيه فى سوريا والتى أرادت بها روسيا أن تبعث برساله قويه لأمريكا وللغرب أنها قادره على أن تنقل الحرب إلى خارج حدودها دون إستخدام الطائرات فقط وهو ما أثار مشهدا جديدا فى العلاقات العربيه الأمريكيه ، والعلاقات العربيه الروسيه  ، مشهد عبثى أقل ما يوصف بأنه مشهد يوضح حالة الوهن والضعف والإنبطاح العربى بعامه ، مشهد إنقسم فيه العرب بين مؤيد لصواريخ كروز فى مقابل مؤيد لصواريخ كاليبرا ، مشهد يدل على أننا كعرب ليس لنا حولا ولا قوه وخصوصا فى الأزمه السوريه والتى أصبح حلها من خارج السياق العربى حتى وإن سمعنا أن لنا صوتا فى الأزمه فهذا وهم تعززه أوهام كثيره ، مشهد يدل على أن حدود القوه الروسيه محدوده فى تغيير قواعد اللعبه الجيوسياسيه فى المنطقه لصالحها وذلك لأسباب متعدده لا تخطئها العين لعل من أهمها :
- أن صواريخ كاليبرا الروسيه إحتاجت للوصول لهدفها فى سوريا إلى إقامة تحالف مؤقت مع إيران والعراق لإستخدام مجالهما الجوى وكذلك أسطولها البحرى الذى قطع مسافات طويله ليصل لهدفه
- أن العرب الذين كانوا تحت مطرقة الربيع العربى وضغط أمريكى واضح والذين وجدوا فى القوه الروسيه ملاذا يعوضهم عن حليف أمريكى رأوا فيه أفول نجم وبروز نجم آخر قد عادوا بعد تغير السياسه الأمريكيه وتولى إدارة " ترامب " الحكم والتى شهدت أيامه الأولى تغيرا واضحا ودفعات سلاح ضخمه جدا وإعادة تجديد التحالف القديم فى المنطقه وهو ما أشعرهم بإرتياح وأخرجهم من حرج التعامل مع الروس
- الروس بقوتهم العسكريه المدعمه بصواريخ كاليبرا تفتقر إلى قواعد ثابته على مساحه واسعه فى المنطقه العربيه اللهم إلا من قاعده واحده فى سوريا وسط عدم ترحيب شبه عام من الدول العربيه التى لا تريد تمددا روسيا والذى لن يستطيع ملئ الفراغ الأمريكى فى مقابل مع ما حدث من تمدد لقوى الجوار العربى التركى والإيرانى وهو ما يدفع بعدم قدرة الروس على الحركه
- تعرض الطائرات الإسرائيليه لصواريخ الدفاع الجوى السورى المدعومه روسيا وهى فى طريقها لتنفيذ عمليات ضد حزب الله فى سوريا قد أثار أزمه لامست حد الحرب بين الروس وإسرائيل فى سوريا وهو ما تحاشته روسيا خوفا من الإنجرار لحرب ليست فى صالحها
- صورايخ كروز وهى فى طريقها لضرب الأهداف السوريه والسبب عقاب سوريا على الغاره الكيميائيه فى " خان شيخون " ، إنطلقت من السفن الأمريكيه فى البحر المتوسط فى إتجاه سوريا مباشرة أى أنها إخترقت الدفاعات الروسيه الجويه التى تحمى سماء سوريا وهو ما يقطع بسقوط هيبة السلاح الروسى وخاصة لصالح صورايخ كروز التى أثبتت أنها لا زالت قادره وفاعله ، هذا اذا سلمنا بأنه ليس هناك تنسيق روسى أمريكى فى الخفاء لتمرير صفقة ما فى الخفاء خصوصا وأن روسيا إعترفت ضمنيا بالقدس الغربيه كعاصمه لإسرائيل قبل الضربه الأمريكيه بساعات ، وهذا سيعطى معنى أسوأ يتراكم فى الذاكره العربيه ويذكرها بأن روسيا هى أول من إعترف بإسرائيل وهذا يقطع بعدم قدرة الروس على تغيير المعادله الجيوسياسيه

إن القمة العربيه فى " البحر الميت " كانت لها دلالات لم يفطن لها الكثيرين وهى أن الملف السورى برمته قد أصبح فى يد القوى الخارجيه وأن العرب مجرد ظاهره صوتيه حتى أنهم ليسوا على موائد المفاوضات  ، كذلك تدشين عهد جديد للعلاقات العربيه الأمريكيه وما عودة صواريخ كروز لضرباتها إلا توثيق لتلك العلاقه ، فى المقابل وعلى الرغم من محدودية صواريخ كاليبرا الروسيه على إحداث تغييرا جوهريا فى السياسه العربيه والإقليميه إلا أن الأوضاع ما قبل ضربات صواريخ كروز الأمريكيه لن تكون هى أوضاع مع بعدها خصوصا وأن الضربات لاقت قبولا دوليا وعربيا رسميا علنيا وفى الخفاء ..
لذلك على الشعوب العربيه أن تخرج من إدمانها تشجيع عدو على عدو آخر آملا فى أن يخلصها ذلك من عبوديه عادت من جديد تظللها أوهام وطنيه وقوميه ولكن حقائق الأمور تكذب الجميع ، وإلا فالجلوس أمام شاشات الفضائيات لتشجيع صورايخ كروز فى مقابل صورايخ كاليبرا هو الحل الأمثل لكم مع كثير من الشيبسى وزجاجات الكولا منتظرين النتيجه الحاسمه التى ستفجر الأرض وتزلزل الساحات من فاز عرب كروز أم عرب كاليبرا ؟؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...