الثلاثاء، 27 سبتمبر 2022

السينما والإستمطار السياسى !!


 

بقلم ياسر رافع 


كثيرا ما تلجأ الدول التى تعانى من شح الأمطار ومصادر المياة إلى عملية تعرف " بالإستمطار" وهى عملية عبارة عن إطلاق مواد كيميائية فى السحاب لتكثيفه ليسقط مطرا عليها حسب الحاجه ، وأصبح الإستمطار حلا للتغلب على مشاكل نقص المياة التى تهدد تلك الدول بالمجاعات والحروب !!

وفى المقابل تستخدم تقنيات تلك العملية أيضا لتبديد الغيوم من أجل السلامه كالذى يحدث فى المطارات ، وهو ما يدفعنا للقول بأن تلك العملية ماهى إلا ترجمة عملية لعملية منظمة تنظيما دقيقا تعطى نتائج عظيمة متوقع حدوثها ، وهو ما يجعلنا نستطيع أن نسقطها على الواقع السياسى لنستطيع فهم بعض ما جرى ويجرى حولنا
فهل يمكن للإستمطار المائى أن يتحول لإستمطار سياسى ؟!!
....................................................................................
فى العام 1919 توجه بضعه أفراد من المصريين إلى دار السفارة الإنجليزية فى القاهرة على رأسهم السياسى " سعد زغلول " وذلك لتقديم طلب للسماح لهم بالتوجه لمؤتمر السلام فى باريس لعرض مطالب مصر بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى 1914، والتى تتضمن إلغاء الحماية البريطانية على مصر وإعلان الدستور ، لكن السفير البريطانى شكك فى شرعيتهم مما جعلهم يجمعون التوكيلات من المصريين لإثبات الشرعية ، ولكن السلطات البريطانية قامت بإعتقالهم ونفيهم إلى جزيرة مالطا على الرغم من محاولات حكومية مصرية للحيلوله دون وقوع ذلك ،الأمر الذى أدى إلى بدأ المظاهرات والإحتجاجات فى القاهرة وكان قوامها من طلبة المدارس الثانوية والعليا ثم تلا ذلك دخول كل طبقات الشعب من كل القطر المصرى تباعا .
مع تراكم سحب الثورة فى كل مكان المحملة بغيوم كثيفة من الغضب لدى كل قطاعات الشعب وخاصة الشباب ،
بدأت أول عملية " إستمطار سياسى" فى مصر الحديثة ، فعلى الرغم من الإفراج عن " سعد زغلول " وسفره إلى باريس إلا أن المؤتمر أيد الحماية البريطانية على مصر ، وهو ما أجج مشاعر المصريين أكثر وأخذت المظاهرات منحى عنيفا وسقط الشهداء والجرحى ! لكن أحدا لم يلتفت إلى السرعة التى إنتشرت بها الثورة فى مجتمع يغلب عليه الجهل والإستكانه ويرزح تحت عبودية ملاك الأراضى من الإقطاعيين ، إنها الدولة العميقة التى رأت مصالحها مع تنامى الغضب ضد المحتل الإنجليزى لهذا ساعد ملاك الأراضى الكبار والقصر الملكى الثورة ودعموها من الخلف لتجميع أكبر قدر من سحب الغضب وذلك لهدفين ،
الأول نيل إستقلالا يمنح الملكية المصرية قبلة الحياة ، والثانى الوقوف ضد دعاوى متنامية لإقامة جمهورية تنهى الملكية وسيطرة ملاك الأراضى . لهذا كانت المساعدة فى تكثيف سحب الثورة لأكثر من سنتين العامل الحاسم لإستمطار سياسى كان من نتائجه تصريح 28 فبراير الذى ينهى الحماية البريطانية على مصر بعد مفاوضات مع القصر وكبار الملاك من الوزراء ، وكذلك السماح بوجود دستور للبلاد " دستور 1923 " ، وبقى أمام الدوله العميقة مهمة تبديد سحب الثورة وعودة الجماهير الغاضبه إلى بيوتها مرة أخرى وهذا كان أمرا سهلا مع قطع الدعم لها ، ومغازلتها بتولية " سعد زغلول " رئاسة الوزراء ، إلا أنه وبعد فترة قصيرة تم التخلص من تلك الوزارة ، بعدها إطمئن أصحاب الإستمطار السياسى أن سحب الثورة تبددت وأن النظام الملكى الجديد أصبح تظله سماء صافية .
وهكذا نجحت أول عملية إستمطار سياسى فى مصر الحديثه ، وعادت الجماهير إلى البيوت مرة أخرى لا تدرى لماذا خرجت ؟ ومن كان يدفعها إلى الأمام ؟ ولماذا إرتفع سقف المطالب ؟ ولماذا لم يتغيرالوضع الإجتماعى والسياسى بالنسبه لهم ؟ ولماذا تم إلغاء دستور 23 أهم منجزات ثورة 1919 ؟
أسئلة ظلت معلقة حتى تجدد المشهد مرة أخرى , ولكن بطريقة أكثر حداثه !!
............................................................................................
فى أخر سنتين من حكم الرئيس السابق " حسنى مبارك " قد بدا أن النظام على وشك السقوط ، بسبب رغبه دولية خارجية رأت فى ذلك النظام أنه لا يلبى طلبات بعينها ، وأصبح الهجوم عليه شبه متواصل عبر كل الوسائل المتاحه لذلك ، ورغبة داخلية محملة بتبعات أزمة إقتصادية كبيرة وبطالة متزايدة ونفوذ لا متناهى لرجال الأعمال الذين تولوا زمام الأمور فى البلاد . ورغبة محمومة من نجل الرئيس وحاشيته لتولى رئاسة الجمهورية خلفا لوالده يقابلها عدم رضا من قبل المؤسسة العسكرية وقطاعات واسعة من الشعب .
ولكن كيف السبيل لإسقاط نظام " مبارك " ؟!
على عكس ثورة 1919 التى نفذت فيها أول عملية إستمطار سياسى ، فقد كانت ثورة 25 يناير 2011 أول ثورة تنفذ فيها عمليتى إستمطار سياسى متناقضتين .. كيف ؟!
إستمطارا سياسيا خارجيا أراد عبر سلسلة من الإجراءات والدعم أن يوفر بيئة حاضنه لكتله شعبية مستغلة العامل الإقتصادى والسياسى المزرى من أجل تجميع سحب الغضب الشعبى وإستمطارها لتهيئة البيئة المناسبة لنظام جديد ومتعاون . وإستمطارا سياسيا داخليا يبدوا أنه وجد الفرصه من أجل التخلص من نظام فقد القدرة على إدراة شؤون البلاد وإستباقا للإستمطار الخارجى وقطع الطريق على من يريد تدشين نظام جديد .
وبقيت الأزمة كيف يتم تجميع سحب الغضب تجاة نظام " مبارك " دون المساس بصلب وقوام الدولة العميقة ، هنا كانت السينما ضمن عوامل كثيرة لتهيئة الجماهير لحدث كبير قادم . فبعد الأزمة الإقتصادية العالمية 2008 ظهر أن نظام " مبارك " غير قادر على الصمود كثيرا وأن سياسات رجال الأعمال تدفع إلى حنق شعبى ، هنا ظهرت السينما لتبرز ما يحدث فى المجتمع ، وخلال الثلاث أعوام السابقة على ثورة 25 يناير ، ظهرت أفلام كانت جريئة فى طرحها على عكس سطوة الأجهزة الأمنية ، ففى العام 2008 ظهرت ثلاثة أفلام الأول وهو " طباخ الرئيس " والذى يظهر رئيس الجمهورية رجلا صالحا مهموما بمصالح بالشعب ولكنه محاصرا بأجهزة فاسدة تحجبه عن الشعب ، والثانى وهو فيلم " حسن ومرقص " وهو يتعرض مباشرة لمدى تغلغل التعصب الدينى فى الشارع المصرى بين المسلمين والمسيحيين والذى أصبح جاهزا للحريق فى أى وقت ، والثالث وهو فيلم " رامى الإعتصامى " الذى يجسد طبيعة الإحتجاجات الشبابيه وكيفية التعامل معها وقدرتها على إجتذاب شرائح مجتمعية معها فى تلك الإحتجاجات وكأنه يشير لما هو قادم .
وفى العام 2009 يبدوا أن جرعة الإستمطار السياسى لتجميع السحب قد زادت وفيها أنتجت السينما فيلمين مهمين جدا ، الأول وهو فيلم " الديكتاتور " الذى يتحدث عن حاكم كهل لديه ولدين فاسدين وشعب ثائر خرج عليه مدعوما من الجيش ويستطيع خلعه ولكن بعد فترة يرجع مرة أخرى للحكم ، والفيلم الثانى " بوبوس " وهو يغوص داخل مجتمع رجال الأعمال بكل فساده المتحالف مع الدولة الأمر الذى جعل من حياة الناس البسطاء صعبه جدا .
وبعد قيام الثورة بستة أشهر عرض فيلم " صرخة نملة " وهو على ما يبدوا واضحا إنتاج سنة 2010 وهو فيلم يحاكم سياسات الخصخصة والفساد على كل المستويات وكذلك يبشر بما وراء الكواليس من محاولة تدشين نوع جديد من الخصخصة الإقتصادية وإستبدالها بتحويل ملكية الشركات الحكومية إلى أسهم متداولة فى البورصة .
وهكذا ساعدت السينما فى أكبر عملية إستمطار سياسى للتخلص من نظام مبارك ، لصالح الإستمطار الداخلى وتفويت الفرصة على الإستمطار الخارجى  ، وأصبح الشعب جاهزا للإستمطار الذى كانت نتائجة واضحة وسقط نظام " مبارك " نتيجة تجمع سحب الغضب  .... ولكن ؟!
......................................................................................
لم يكن سقوط نظام مبارك هو النهايه بل بداية لصدام جديد بين الإستمطار الخارجى والداخلى ، نتج عنه سنوات من العواصف السياسية التى لم تسفرعن شئ سوى الخوف والقلق على مستقبل البلاد ، وأصبح شبح السينما بأفلامها السابقه على الثورة  يطل من جديد ، ويضعنا أمام سيناريو صدام دينى مسيحى مسلم على شاكلة فيلم " حسن ومرقص " ، أوعوده أخرى لنظام مبارك على شاكلة فيلم " الديكتاتور" ، أو عودة لنظام يتبنى أفكار رأسمالية ويحول الشركات الوطنية إلى اسهم فى البورصات العالمية .
لكن فى النهاية نجح الإستمطار السياسى الداخلى فى حسم الأمور لصالحه وكان عليه أن يقوم بعبئ تبديد سحب الإستمطار من الشارع وإرجاع الجماهير مرة أخرى إلى منازلها ، وهو ما حدث !!
وكما ثارت التساؤلات بعد ثورة 1919 ، ثارت أيضا التساؤلات بعد 25 يناير ، لماذا خرجنا ؟ هل كانت لنا مطالب محددة أم أمنيات غير قابله للتحقق ؟ كيف خرجت كل تلك الملايين وكيف إختفت فجأة ؟ من كان يتفاوض مع الدولة التى لم تسقط ؟ وعلى ماذا كان يتفاوض ؟ هل سقطت الجمهورية القديمة أم تم إعادة طلاؤها لتناسب الشكل الجديد ؟ ................ لماذا ! كيف ! أين !
أسئلة حائرة ولن نجد لها إجابه سوى أن ما حدث فى ثورة 1919 وثورة 25 يناير 2011 كان تدشينا وإستخداما جيدا لظاهرة جديدة على السياسة المصرية إسمها " الإستمطار السياسى " القادرة وحدها فى ظل غياب المعارضة القوية والوعى الشعبى على إعادة ترتيب البيت الداخلى والقيام بالمواءمات الخارجية ، وحتى تتضح ملامحها وأدواتها الحقيقية فإن السينما قادرة على قراءة بعض مظاهرها حتى إشعارا آخر
............................................................................

الاثنين، 12 سبتمبر 2022

أزمة المثقفين والحوار الوطنى !! إعادة تدوير للماضى !!


بقلم / ياسر رافع

أين المثقفين ؟ سؤال يشغل الشارع المصرى منذ قيام ثورة 25 يناير2011 وما تلاها فى 30 يونيو2013 وهو سؤال تزداد الحاجه إلى إجابته يوما بعد يوم ، خصوصا وأن معظم المثقفين ثوريتهم سماعيه لم يشاركوا فى صنع ثورة ملهمه قبل ذلك بل تفاجئوا كما تفاجئ الجميع بأن الثورة جاءت من شباب ثارعلى أوضاع عفنه وأراد تغييرها ، بل نستطيع أن نقول أن معظمهم تم صناعتهم فى أزمنه سابقه للتأكيد على شرعية النظم السابقه ، وهذا بالطبع ينسحب على الغالبية العظمى منهم وليس كلهم بطبيعة الأمور .

..................................................................................................

عندما قامت ثورة 23 يوليو 1952 بقيادة ضباط الجيش ، حدثت أزمة ثقة كبيرة بين المثقفين وضباط الجيش على الرغم من أن المثقفين فى غالبيتهم إستقبلوها بترحاب كبير ورغبة منهم فى إيجاد زمن جديد ، لكن بمرور السنوات زادت الفجوة وهو ما إستدعى أن  يقوم الأستاذ " محمد حسنين هيكل " بكتابة أربع مقالات عن " أزمة المثقفين " فى العام 1961 ( بعد مرور ثمانى سنوات على قيام الثورة ) يشرح ويحلل فيها أسباب الأزمة وشدد فى البداية على " إن التلاقى والإمتزاج بين ما أسميه قوة الدفع الثورى وبين ما يسمونه المثقفين أمر حيوي لتوسيع وتعميق مجرى العمل الثورى إندفاعا إلى إقامة المجتمع الجديد " , وأستمر هيكل شارحا أسباب أزمة المثقفين والتى لخصها فى ثلاثة أزمات رئيسة كالتالى :

" قامت الأزمة الأولى حول المطالبة بعودة الجيش لثكناته فى أعقاب تصدية لتنفيذ ثورة 23 يوليو ،

 وقامت الأزمة الثانية حول المطالبة بعودة الحياة النيابية وبعودة الأحزاب السياسية بإعتبار أن ذلك فى رأى المطالبين به هو اساس الديموقراطية وصورتها التى لا تتغير . وقامت الأزمة الثالثة حول ما أسموه فى ذلك الوقت بالمفاضلة بين أهل الثقة وأهل الخبرة وتركزت هذة الأزمة فى الواقع حول تعيين بعض العسكريين فى عدد من الشركات والهيئات والمؤسسات وفى وظائف يبدو أنها فنية بحتة لا تحتمل غير المتخصصين فى أعمالها  "

لكنه فجأة يشن هجوما خاطفا على المثقفين قائلا " فى هذا كله أين كان المثقفون ، وأين كان دورهم الطليعى فى قيادة الجماهير ، بعضهم بإرتباطاته الطبقية كان يقف فى الصف المعادى للجماهير ، والبعض الأخر بحكم إيثار العالفية على الأقل كان يقنع بالإنزواء ويباشر رعايته لمصالحه الشخصية من غير تعرض غير مأمون العواقب لمجرى الأحداث "

وعلى الرغم من أن الأستاذ " هيكل " لم يكن الأول الذى تحدث عن أزمة المثقفين فقد سبقه إلى ذلك الأستاذ " أحمد بهاء الدين " والأستاذ " لطفى الخولى" وغيرهم إلا أن مقال " هيكل " الأول حول الأزمة قوبل برد فعل هجومى عليه مما دعاه لكتابة ثلاث مقالات أخرى شارحه لموقفه ، عاتبا على المثقفين موقفهم الغير واضح من ثورة 23 يوليو ورغبتهم فى التغيير بضمانات من الجيش دون أى تضحية منهم قائلا " فإن الثورة ليست عملا يمارس تحت ظل الأمان والضمان ، إنما الثورة إندفاع إلى التضحية بدافع الإيمان "

 وعاب عليهم عدم إدراكهم للحظة التغيير قائلا " أفدح منه فى تصورى خطأ المثقفين ، الذين لم يدركوا حتى الأن أن التغيير المحتم الذى لا مفر منه ، ليس هو مجرد تغيير رأس الدولة  وإنما بداية تغيير المجتمع من أساسه " ومضى يقول " ومضى هؤلاء وهؤلاء ينتظرون الأيام لعل الأيام تأتى معها بجديد ، وراحوا فى تبرير الإنتظار يصورون لأنفسهم أنهم قليلى الحيلة على أية حال فى مواجهة القوة القاهرة "

ثم يأتى إلى لب مطلبه من المثقفين بإعتباره متحدثا بإسم السلطة  وشارحا لمفهوم " الوعى" الذى تحدث عنه الرئيس " جمال عبدالناصر" قائلا " ولقد كان الدور الطبيعى الواجب للمثقفين ، ليس مجرد أن يتعاونوا مع الثورة ، وإنما أن يتفاعلوا مع الثورة وأن يتبنوا قضيتها ، أن يأخذوها ، أن يعطوها من فكرهم نظريتها الوطنية ، أن يصوغوا من أعماق ضميرهم وعلمهم عقيدتها الثورية أى طريقها إلى التغيير الأساسى والجذرى للمجتمع المصرى "

..................................................................................................

لم تكن 1961 سنه عادية ، فلم تكن الذكرى الثامنه لقيام الثورة ، ولا الذكرى السادسة لأزمة مارس 1954 الديموقراطية ، ولا هى بالطبع سنة أزمة المثقفين ، ولكنها كانت تمثل حدثا فريدا من نوعه فى مصر الحديثة ، حيث إجتماعات اللجنة التحضيرية " للمؤتمر الوطنى" حيث المناقشات بشأن طبيعة نظام الحكم ، وبناء شرعية جديدة ، وكذلك الشكل الإقتصادى للبلاد ، وقد شارك فى فعالياته كل الأطياف السياسية فيما عدا " أعداء الشعب " . 

وقد إنتهى هذا المؤتمر بعد الأخذ بالمناقشات والتعديلات من خلال اللجان النوعية والقواعد الجماهيرية ، إلى إقرار " ميثاق العمل الوطنى " فى 30 يونيو 1962 ، كوثيقة إسترشادية لطبيعة عمل الدولة خلال عشر سنوات وقد فسر الرئيس " عبد الناصر" ذلك قائلا " بنعمل محاولة ... بنقدم مشروع للميثاق الوطنى بيبقى دليلنا للعمل ، بعد كده كل سنه بنغير ، لأن النظرية أو ميثاق العمل الوطنى لن يكون إلا نتيجة لدراسة مشاكل المجتمع " _ كتاب نداء الشعب تاريخ نقدى للأيدولوجيا الناصرية _

وكان الملفت هو تأطير أوإدماج المثقفين داخل صلب الدولة الجديدة ، وقد إنقسموا لقسمين ، الأول سارع بالإندماج لطبيعته المتعلقه بسلطة الحكم أيا ما كان الحاكم كما كان قبل ثورة 23 يوليو ، والثانى إنضم بعدما تيقن من صدق النوايا أو أن التجربة مع النظام الجديد إن لم تفيد فهى لن تضر حتما .

وأصبح المثقفين السلبيين كما هم ، آثروا السلامه كما فى كل عهد خوفا من دفع فواتير لا يقدرون عليها .

......................................................................................

بعد قيام ثورة 25 يناير 2011 وما تلاها فى 30 يونيو 2013، قد بدا واضحا أننا نعانى من أزمة مثقفين متجددة ، وأن الثورة فاجأتهم كما فاجأتهم حركة الجيش 1952 ، فهم لم يستطيعوا ملئ الفراغ بين السلطة والجماهير ، ولم يبشروا بثورة ولا أعدوا لها ، وأنهم فى غالبيتهم لم يخرجوا عن الثلاث فئات التى ذكرها " محمد حسنين هيكل " فى مقالات " ازمة المثقفين  " ، حيث فئة مع سلطة الحكم تحافظ على مكتسباتها الطبقية والوظيفية ، وفئة مارست الفعل الحزبى دفاعا عن مكاسب حزبيه ، وفئة ثالثة آثرت البعد عن السياسة وتفضيل العمل فى القطاعين العام والخاص من أجل سلامتها لما فى العمل العام من مشاكل سياسية وأمنية .

لهذا جاءت سنة 2022 ، لتعيد تدوير ما حدث فى العام 1961 بنفس أحداثها ، حيث أزمة مثقفين طاحنه يعيدون نفس مطالبهم القديمة ، حيث مسألة تحكم الجيش فى مفاصل الدولة ، وتنظيم جديد للعملية السياسية والحزبية وفتح المجال للكفاءات بعيدا عن أهل الثقة ، وتصطدمهم إجابة " هيكل " ، " أين كان المثقفون ، وأين كان دورهم الطليعى فى قيادة الجماهير" وأن من ملئ الفراغ السياسى بين السلطه السياسية والجماهير هو الجيش .

وكذلك دعوة رأس السلطه الرئيس " السيسى " لـ " حوار وطنى " للبحث فى شكل الدولة أو الجمهورية الجديدة إقتصاديا وسياسيا وإجتماعيا ، كما فعل الرئيس " عبد الناصر" سابقا . ولكن مشاركة المثقفين تبدو غير واضحة المعالم ، حيث أن المثقفين المتحلقين حول السلطه كانوا بطبيعة الأمور هم الأسبق للمشاركه فى الحوار الوطنى ، وأن المثقفين خارج هذا الحوار كما فى السابق ينتظرون وسوف ينتظرون كما فى السابق ، لأنهم لم يدركوا أن الذى يحدث الأن فيه مفاصله تامه عما سبق ، وأن تعللهم بأن القوة القاهرة للمؤسسات الأمنية يبرر إحجامهم عن المشاركة فى الحوار أو الجرأة فى طرح رؤاهم الخاصه ، وكذلك يعولوا على أن النظام سيعطى لهم ضمانات للعمل وفق نظرتهم للأمور .

لهذا لم تدع الحوادث ولا طبيعة المثقف المصري أية خيارات أمام المثقفين المصريين ، الذين لم يتطوروا خارج حاضنة الدولة المصرية منذ ثورة يوليو1952_ الغالبية العظمى منهم _ ولم يعد لديهم إلا خياران وحيدان ، الأول وهو الإندماج داخل الدولة وفق مخرجات " الحوار الوطنى " كما حدث مع مخرجات " المؤتمر الوطنى " سابقا ، الثانى الحديث عن عمل وطنى موازى لفكر الدولة الجديدة تكون نتيجته الوصول لحالة جديدة ولكن هذا الخيار الثانى يصطدم بطبيعة المثقف المصرى طوال السنوات السابقة التى تفضل إعادة تدوير الماضى على التفكير فى المستقبل وتبعاته ، ما يتبع ذلك من تعلق نظره بالسلطه دائما يراقب حركتها وإيماءاتها وساعتها يحدد حركته الخاصه .

...............................................................................................

يبدو أننا نعيش مرحلة مهمة ، ليس لإن هناك جديد ولكن لأننا نشهد أكبر عملية إعادة تدوير للأفكار بنفس آليات العمل ، وللمصادفة البحته بنفس أطراف الصراع  وإن تغيرت الأسماء ، السلطه التى تمسك بزمام الأمور والتى ملئت فراغ السياسه ، والمثقفين ، والأحزاب السياسة ، وكذلك إستبعاد " أعداء الوطن " ، 

لهذا إذا كان المثقفون المصريون يريدون أن يلحقوا بالمستقبل فعليهم بلورة رؤية واضحة لشكل العلاقة داخل البلاد بين السلطة والجماهير تعبرعن الأمال والطموحات وشكل المستقبل الذى نريده ، وعليهم أن يتركوا ساحات السوشيال ميديا ويلتحموا بالجماهير ، ولا تتعلق آمالهم بضمانات تعطيها لهم السلطه .

وحتى يتحقق ذلك ستظل أزمة المثقفين المصريين " كلاكيت تانى مرة " وحتى إشعارا آخر

الأحد، 4 سبتمبر 2022

المواطن والمجتمع صفر !!

 



بقلم ياسر رافع

هناك أسطورة تحكى عن سيدة إسمها ليدى " جوديفا " عاشت فى أواخر القرن الحادى عشر ، وكانت متزوجة من أمير مقاطعة كوفنترى فى بريطانيا إسمه " ليوفرك إيرل لميرسا " ، فقد قامت تلك السيدة والتى كانت محبوبة من قبل الشعب بالتوسط لدى زوجها الأمير ليخفف الضرائب عن كاهل الناس ، ولكن الأمير لم يستجب لها وتحت إلحاح منها فقد عقد معها إتفاق رأه مستحيل التنفيذ ، وإشترط عليها أنه سيخفف الضرائب عن الناس فى حال أنها خرجت عارية تماما وجابت شوارع المقاطعة . فوافقت السيدة " جوديفا " وركبت حصانها عارية تماما وبشعرها الطويل غطت ما يمكن تغطيته من جسدها ، وفى المقابل ما إن سمع الشعب بذلك الشرط حتى دخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم ونوافذهم حتى لا يروا سيدتهم التى ضحت من أجلهم عارية ،

وما أن رجعت السيدة " جوديفا " مرة أخرى إلى القصر حتى طالبت زوجها بالوفاء بوعده بتخفيف الضرائب عن المواطنين ، وهو ما حصل فعلا !!


كان هذا فى العصور الوسطى ما قبل الثورة الصناعية ، حيث الظلم والسلطه المتجبرة على الناس بحكم الشكل الإقتصادى الإقطاعى آنذاك والذى يعتبرالناس عبيدا لدى سيد ومالك الأرض !!!


ولكن مع الثورة الصناعية فى أوخر القرن الثامن عشر تغير كل شئ وأصبح النظام الإقطاعى يتلاشى تدريجيا حتى إنتهى ، وأنتهت معه كل أشكال الظلم الإجتماعى ، وظهرت أفكار وفلسفات جديدة تبشرالناس بزمن جديد من المساواة والعدالة الإجتماعية ، ولكن كانت هناك عوارض إجتماعية بدأت تظهر مع إستبدال قوة العمل الجسدية بالألات ، فبعد أن كانت المصانع والحقول تحتاج لعمالة كثيفة أصبح الإستغناء عن العمالة شكلا معتادا مع التقدم التكنولوجى للآلات .

وهذا ما جعل الكاتب المسرحى الأمريكى " إلمر رايس " يكتب نصا مسرحيا فى بدايات القرن العشرين ، أسماه " آلة الجمع " أو " الألة الحاسبة " ، وفيه يرصد علاقة الإنسان بالألة التى أصبحت تزاحمه قوت يومه وتسيطر على حياته ، من خلال شخوص المسرحية والذى أعطاهم أسماءا رقمية بدلا من أسماءهم البشرية مثل " مستر صفر " و " مستر واحد " وهكذا .

ومن خلال المسرحية  يظهر " مستر صفر " كاتب الحسابات الذى تحمل كل ضغوط المجتمع الصناعى الجديد يمضى ساعات طويلة فى العمل يجمع ويطرح بطريقة روتينية بحته ، وسط حياة روتينية فى بيته وفى الشارع وفى مجتمع ينظر إليه على أنه مهمشا لا قيمة له ، وتمر الأيام والسنوات حتى يقرر مديره فى العمل أن يستغنى عنه ويستبدله بألة حاسبة ، هنا ثار " مستر صفر " الذى تحمل معيشة صفرية فى أدنى السلم الإجتماعى من أجل أن يعيش ويحصل على وظيفة ، وقام بقتل ذلك المدير ، فى رمزية الثورة ضد التهميش والظلم الإجتماعى  ، لكنه لم يعى مدى قدرته على تغيير الواقع  بسبب واقعه الصفرى المنعدم القدرة على التغيير ، لهذا أماته الكاتب فى المسرحية وجعله فى العالم الأخر شخصا آخر يستطيع أن يختار بين أشياء متعددة ، هنا تظهر حالته الصفرية التى ليس لديها القدرة على الإختيار بسبب تفاهتها وإعتيادها على المهانه ، ويشعر بالخوف والرعب فى حال إختار مصيرا جديدا لا يعرف عنه شيئا ، وهنا يقررأن يختارالعودة إلى حياته فى الدنيا التى ثار عليها حتى القتل " صفرا " مهملا لأنه رأى فى حياته السابقة بعض الأمان يجنبه رفاهية الإختيار الذى لا يستطيع تحمل نتائجه .

ومع إشتداد سطوة الرأسمالية وتحولها إلى رأسمالية متوحشة ، ودخول العالم إلى زمن الألة والذكاء الإصطناعى ، زادت أعداد المواطن " مستر صفر " وأصبحت المجتمعات مهدده من قبل سيطرة الرأسمالية وربيبتها الأله ، تهديدا من ثورة " مستر صفر " الذى أصبح مجرد رقم فى مجتمع أصبح مجرد رقم هو الأخرعلى لائحة الرأسمالية العالمية ، ثورة لا تعرف أى معنى غير أنه يريد أن يتخلص من مجتمع كئيب تسيطرعليه المادة ولا يعرف العواطف ولا القيم الإنسانية ،

وأصبح حلم " مستر صفر" الذى يشعر بدونية وضعه الإجتماعى نتيجة رأسمالية مجتمع تحول إلى نسخه حديثة من مجتمع القرون الوسطى الإقطاعى ، أن تعود السيدة " جوديفا " إلى الحياة مرة آخرى لتتعرى للمرة الثانية كشرط لرفع الضغوط والممارسات الغير آدمية للمجتمع الرأسمالى على الغالبية من المجتمع الذى ينحدر نحوالصفرية بسرعه شديدة منذرا بعواقب لا تحمد عقباها ، أو أن يعتاد الناس الصفرية كما إعتادها رعايا القرون الوسطى . 

فهل يستطيع المواطن والمجتمع التخلص من صفريته أمام سطوة الألة فى زمن الرأسمالية المتوحشة والتى حولت العالم والمجتمعات إلى ما يشبه إقطاعيات القرون الوسطى حيث الأغنياء خلف الأسوار بأسماءهم وكنياتهم وبقية المجتمع مجرد أصفار تنتظرأن تتخلص من صفريتها وتعبر الأسوار لتحصل على أسماء وحرية إختيار ! أم ان يعتاد الصفرية كحل تقليدى يعطيه الأمان الوهمى القائم على مفهوم الإستقرار ؟

الأربعاء، 24 أغسطس 2022

طباخين الثقافه

٩


بقلم ياسر رافع 

لقد وصف الكاتب الراحل " لطفي الخولى" المثقفين ب" طباخين الطعام الفكرى" وذلك عندما كان يجرى العمل على تجييش وتجنيد المثقفين المصريين خلف توجهات جمهورية دولة يوليو 1952 الوليدة آنذاك، حيث جرى الحديث عن دولة جديدة وتوجهات جديدة في زمن جديد ولهذا كان من الطبيعي أن تجد الغالبية الكاسحه منهم كانت وراء الدولة إما بالرضا أو بالجبر لتبرير سلوكها الإقتصادي والسياسي والإجتماعي عبر منظومة ثقافية كاملة سواء إشتراكية التوجه الإقتصادي أو قومية التوجة السياسي ولهذا وجدنا كتابا وأجيالا من الشباب الواعي بقضايا بلاده من وجهة نظر الدولة ونظامها .

ولكن بعد أن توجهت الدولة إلى صندوق النقد الدولي في أوائل التسعينات من القرن العشرين وتبنت التحول الإقتصادي من الإشتراكية إلى الرأسمالية فكان من الطبيعي أن تسقط المنظومة الثقافيه القائمة على الإشتراكية بكل تفريعاتها وسقط معها للأسف الغالبية الكاسحة من المثقفين طباخين الطعام الفكرى للنظام القديم ولم يستطيعوا اللحاق بما هو آت لأن الدولة في سبيلها إلى التحول الإقتصادي فإنها قامت بهدم البيت وباعت محتوياته بما فيها المطبخ الذي لم يجد طباخية من المثقفين إلا الشارع يبيعون بضاعتهم التي خاصمت الزمن الجديد وأصبحوا يبيعون طعامهم الجديد على عربات طبخ يدويه في الشوارع لعلهم يستطيعون بها أن يجدوا ما يعينهم على مصاعب الحياة المعيشية بعدما سقطت المنظومة وسقطوا معها بعدما أصبح طعامهم الإشتراكي والقومي غير مستساغ في زمن الليبرالية المتوحشة والسيمون فيميه والقصور الفاخرة.

وبعد ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ وما تلاها في ٣٠ يونيو ٢٠١٣ لم يتغير حال طباخين النظام الإشتراكي بل زاد إنعزالهم تماما عن التطورات الإقتصادية والسياسية والإجتماعية التي تحدث في مصر وزاد الطين بله انهم لا زالوا يتحدثون بمفردات ثقافة إندثرت معالمها حتى في بلادها الأصلية وكذلك عدم رغبة النظام المصري في وجود الطباخين القدماء بأفكارهم التي أصبحت لا تناسب التوجه الرأسمالي الجديد إقتصاديا وسياسيا وإجتماعيا بجواره على الرغم من بناءة مطابخ جديدة لكنها ليست على شاكلة الطبخه الكاملة ولكن على شاكلة التيك آواي السريعة

الدولة لن تحتاج إلى الطباخين القدماء بأفكارهم القديمة حتى وإن بدا من تصريحات رأس النظام وأعمدته عن حاجتهم إلى المثقفين، فهذا وهم يضاف إلى أوهام مترسخه لدى الطباخين القدماء من أن أفكارهم لا زالت صالحة ليأكل منها المجتمع الذي عشق آفكار التيك آواي وبريق الألوان والقصور الفاخرة

مصر تعاني آزمة ثقافية حاليه حيث لا ثقافة جامعه أو ثقافات متعددة بل نستطيع أن نقول أننا نعيش حالة شعبوية بالكامل حيث لا شئ مقابل اللاشئ. الكل يصدح ويحلل وينتقد على أسس زمن فات ومضى في وقت حلول زمن جديد بمفردات جديدة لم تصل بعد أبعادعها الحقيقية سواء للطباخين القدامى أو الطباخين المحتملين للزمن الجديد

#ملحوظة مصطلح " طباخين الطعام الفكرى" وإن كان فيه من التسطيح الفكرى والإستهانه بالمتلقي إلا أنه يصلح لوصف حالة المجتمع الثقافية الآن حيث إنتشرت عربات الكبدة والحواوشي الثقافية في كل مكان 

الاثنين، 22 أغسطس 2022

الشرق شرق والغرب غرب والأزهر باق


 

بقلم ياسر رافع

في مقال للكاتب والشاعر اليمني الكبير " عبد العزيز المقالح" بعنوان " الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا" يقول نصا " يبدو أن هذه المقولة التي أطلقها الشاعر الإنجليزي "روديارد كبلنغ" في نهاية القرن التاسع عشر تحمل الكثير من معاني الحقيقة التي لا تقبل التغيير، وأنها تجسد واقع العلاقات بين الشرق والغرب لا في العلاقات والتقاليد والموروثات الروحية والثقافية فحسب؛ وإنما تجسد حالة السياسة المتعارضة أيضاً . فقد كان الشرق القديم مختلفاً عن الغرب القديم ولا يزال الاختلاف قائماً حتى الآن، وربما زاد في العصر الحديث اتساعاً نتيجة الغزوات الاستعمارية الغربية .وقد لا يختلف الحال كثيراً في المستقبل انطلاقاً من التجارب التاريخية من ناحية، ومن اختلاف التطلعات السياسية والاجتماعية من ناحية ثانية، وإذا ما حدثت هدنة ما بين الشرق والغرب فإنها عادة ما تكون مؤقتة وتعود الأمور إلى سالف عهدها . حدث ذلك في الماضي البعيد والقريب وحدث في الوقت الراهن، والشواهد في كل الأحوال تؤكد حقيقة أن الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا ."

والكاتب يقرر حقيقة واقعية لا تقبل الشك فعلي الرغم من الهيمنه الإستعمارية والثقافية للغرب منذ القرن الثامن عشر على العالم إلا أنه وعلى الرغم من آثارة الواضحة على الثقافة العالمية إلا أنه لم يستطع ان يحول الشرق إلى غرب وخرجت كل الدول المستعمرة تلملم جراحها لتبحث عن إحياء مرجعيتها الثقافية المحلية التي تحدد هويتها ولم يمنعها هذا من الأخذ من الغرب المستعمر ما يناسبها من قدراته المادية كشئ طبيعي لدورة حياة البشرية.

ولهذا نجد بلادنا مثل اليابان والصين ودول جنوب شرق آسيا بتنوعها الديني المتنوع بين المسيحي والإسلامي والبوذي والثقافي النابع من تلك الأديان والبيئة المحلية، خرجت من تحت الوصاية الغربية وأصبحت تقارع بثقافتها الغرب وتهيئ نفسها لقيادة مستقبلية للعالم. إلا منطقتنا العربية التي نكبت في إقتصادها وثقافتها وهذا نلحظة يوميا حيث أننا رغم محاولات كثيرة للخروج من الهيمنة الغربية عبر عشرات السنوات الماضية لا زلنا نريد ونحاول ولكن مقاومتنا ضعيفة وهذا بسبب ضعف مؤسساتنا الثقافية بالأساس التي تركت لطابور خامس من بقايا إستعمار سابق يحاول يوميا بجهد يحسد عليه أن يضرب بأسس الثقافة والموروث تحت دعاوي إحلال الثقافة الغربية مكان الشرقية دون الأخذ في الإعتبار أن الشرق شرق والغرب غرب وأن ذوبان كلاهما في الآخر لصالح أحدهما أوهام لا أساس لها.

لهذا لا تخرج معارك الطابور الخامس في منطقتنا العربية عن نقد الموروث دون تقديم جديد ذي قيمة إلا فيما ندر، وكذلك جعل قضية لباس المرأة وحريتها قضية مصيرية، والتشدق بالحريات الدينية دون الأخذ بالإعتبار خصوصية الدين في المشرق عنه في الغرب وغيرها من القضايا الفرعية التي لم تنتج واقعا جديدا،  ونراه أكثر إشتباكا مع المؤسسات الدينيه الرسمية وفي المقابل نراها أقل إشتباكا مع السلطة لصالح قضايا المجتمع الملحه لأنه يتخذها حامية له .

 ومن هذا المنطلق نستطيع أن نفهم سر الهجوم على شيخ الأزهر الذي ظهر في صورة على متن طائرة العودة من رحلة علاج في الغرب وبجانبه ظهر كتاب بعنوان " آفول الغرب" للكاتب والمؤرخ المغربي " حسن أوريد" والذي يتناول فيه تأملات نقدية لأزمة الغرب الثقافية وأثرها على منطقتنا العربية بسبب إرتباط نخبتنا الإقتصادية والثقافية بالغرب. الأمر الذي وجده آنصار الطابور الخامس فرصة للهجوم على مؤسسة الأزهر وشيخها ولكن بطريقة ساخرة تقلل من قيمة المؤسسة وشيخها من منطلق أن فكرة آفول الغرب سيجعلنا بلا قيمة ولن نجد الغذاء والدواء وأن مجرد قراءة شيخ الأزهر للكتاب هو تجاوز غير مسموح به حتى ولو من باب الإطلاع على ما كتبة كاتب عربي يرصد ويحلل لأن الخلاص من التخلف الحضاري ليس له إلا باب واحد فقط من وجهة نظرهم ألا وهو الإنصهار الكامل في الغرب دون وضع أي إعتبارات أقلها حرية التعبير والقراءه لكل الناس وليس شيخ الأزهر فقط.

لقد أبرز الهجوم على شيخ الأزهر عوار نخبة ما بعد الإستعمار الغربي للشرق حيث تبنيها لقضايا معظمها هامشية إلا فيما ندر، لكن الأخطر هو إبتعادها بالكامل عن القضايا الملحة للمواطن فيما ندر أيضا. لهذا نجدها أقل هجوما ضد مؤسسات الدول العربية الحاكمة وذلك لسببين الأول هو خوفها من واقع يرفضها وتخاف من عواقبة من القواعد الشعبية والثاني هو رغبتها في الإلتصاق بالسلطة كضمان لأمنها وحريتها والترويج لأفكارها. لهذا لا نجدها في واقعة الكتاب وشيخ الأزهر لم تهاجم الشيخ علي علاجه بالخارج وليس داخل مصر والتعرض لواقع الحياة الصحية للمواطنين الغير قادرين وذلك لسبب بسيط وهو أن ذلك سيجعلها عرضة لسخط السلطة وهو ما تخشاه ويرفع عنها الحماية.

إن مؤسسة الأزهر وشيخه واقع شرقي غير قابل للإنصهار في الغرب والتاريخ شاهد عليه وله. وأن آفول الغرب ليس نهاية العالم حتى يدافع عنه الطابور الخامس العربي وأن الدورات التاريخية شاهدة على ذلك فقديما ظهرت الحضارة الفرعونية والصينية والفارسية وبلاد الرافدين في مقابل الإغريقية والرومانية والغربية حاليا ومع ذلك ظل الشرق شرق والغرب غرب وذاب الطابور الخامس على مر التاريخ ولم نجد لهم آثرا ولكن ظل أثر من أخذ وتعلم وأستوعب وأبدع في سبيل نهضة بلاده بعيدا عن السباب واللعن والطعن في ثقافة بلاده ورموزها لمجرد إظهار بطولة وهمية وسط العامة وتدشين نفسه أمام الغرب أنه قادر على التغيير وفق مقتضياتهم.

وتبقى كلمة لدعاة التنوير الحقيقيين لا تدعوا غيركم يتولى زمام الأمور ويهدمون ما تقومون به من أجل الحفاظ على الهوية والأخذ بأسباب النهوض من أجل المستقبل.

الاثنين، 15 أغسطس 2022

العدالة الإجتماعية المفقودة


بقلم ياسر رافع

في فيلم " رد قلبي"  كان هناك شخصية نالت كره وغضب كل قطاعات الشعب المصري الا وهي شخصية البرنس " علاء" ذاك الشاب المتغطرس المتعالي بماله الذي سرقة من قوت الشعب فكان مقتله على يد الضابط إبن الشعب هو إنتصار لقيم العدالة الإجتماعية وكان تجسيدا لرواية حقيقية للشاب " عدلي لملوم " الذى إمتلك وعائلته آلاف الأفدنه وخرج بقوة السلاح وهاجم الدولة بسبب قرارات الإصلاح الزراعي وتحديد الملكية فكان ان تم القبض عليه وحكم عليه بالإعدام وبعدها خفف الحكم وخرج نتيجة قرابته لملك ليبيا السابق.

ولكن يبقى سؤال بعد سبعون عاما من قيام ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ وبعد موت البرنس علاء سينمائيا وسجن عدلي لملوم في الحقيقه هل تحققت العدالة الإجتماعية؟

بعد سبعون عاما أصبح يقينيا أن عملية إنتقال طبقي لمركز السلطة والمال تمت بين نظام إقطاعي قديم وآخر جديد وأن مخرجات الجديد تكاد تكون مشابهه للقديم ولكن في شكل صورة ملونه

فكم من آشباه البرنس " علاء" على شاشات العرض التلفزيوني والسينمائي يركبون السيارات الفارهه ويسكنون القصور وبودي جاردات للحراسه وعز لم ينعم به قبل سبعون عاما الاقطاعي القديم. وكذلك إمتلئت مصر بأمثال عدلي لملوم في الحقيقه يعيشون في منتجعات وقصور لا يستطيع أحد أن يقترب منها وارتكبوا كل الجرائم في حق المجتمع والنتيجة ان لا عقاب رادع لأن طبقتهم لا زالت تحكم.

معدل الفقر طبقا للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء وصل إلى ٣٢.٥ ٪ مع تداعي الطبقه المتوسطه تحت ضربات الأزمة الإقتصادية فى حين يشير تقرير لمؤشر “هينلي” الأمريكي للثروة في أفريقيا -  جاء: إن مصر تعد ثاني أغنى دولة في أفريقيا من حيث الثروة الخاصة، بثروة تقدر بـ307 مليار دولار. ويُقسّم التقرير عدد الأثرياء في مصر إلى أربع فئات:


الفئة الأولى: من يملك ثروة تزيد على مليون دولار وعددها يقترب من 17 ألف نسمة.

والفئة الثانية: من يملك أكثر من 10 ملايين دولار وهم “أصحاب الملايين” وعددهم 880 نسمة.

وبلغ عدد المصريين الذين يمتلكون أكثر من 100 مليون دولار 57 مصريًا.

وبلغ الذين يمتلكون أكثر من مليار دولار أو “المليارديرات” 7 أفراد. وبالتالي “مصر لديها أكبر عدد من المليارديرات في القارة السمراء“.

من هذا التقرير وغيره من التقارير المحلية والدولية يتضح ان فكرة العدالة الإجتماعية لا زالت غائبه وان تكريس فكرة العداء لطبقه غنية منذ سبعون كان تكريسا وتمهيدا لبداية طبقة جديدة أكثر شراسه.

لا فرق بين البرنس علاء وعدلي لملوم قديما وحديثا فالعدالة الإجتماعية لا زالت غائبة والأنكي والأمر أن من هاجم العهد الملكي الإقطاعي بضراوة من الغالبية الكاسحة من الكتاب والمثقفين وتغنوا بالعدالة الإجتماعية تجدهم اليوم وقد خرست ألسنتهم ( فيما ندر منهم)  لمجرد أنه سكنوا بيوتا جديدة او جاوروا فلان الباشا او إمتلكوا سيارات فارهة وتراهم يدافعون عن طبقة كانوا فيما سبق أعداء لمكوناتها الطبقية

#العدالة_الإجتماعية_المفقودة تعني عدالة توزيع الثروة في المجتمع والقضاء على الفقر وليست القضاء على طبقة غنية لصالح طبقة غنية جديدة. وان الإجراءات في سبيل تحقيقها يجب أن تتم في جو إجتماعي صحي لا إجراءات إستثنائيه عامة تورث الحقد الطبقي بين طبقات الشعب

الاثنين، 1 أغسطس 2022

الجمهولكيه


 

بقلم ياسر رافع 

منذ سنوات طويله وأثناء الدراسه وفي يوم من الأيام وبعد إنتهاء محاضرات في الإقتصاد والمحاسبة خرجت من المدرج متوجها لإستقلال المواصلات راجعا إلى قريتي وفي ميدان التحرير إشتريت من بائع الجرائد جريدة الأهرام كعادتي ومضيت لموقف الأتوبيس القديم بجانب المتحف المصري. وصعدت إلى الأتوبيس الذي وجدته شبه خاوي فجلست على أحد الكراسي بجوار الشباك. وقمت بفتح الجريدة لأتصفحها سريعا وفي أثناء تصفحي لصفحة الحوادث لفت إنتباهي واقعة مثيرة بطلها صحفي كان يمر في أحد الشوارع فوجد سيارة فارهه ماركة مرسيدس ( في التسعينات كانت تلك السيارة محل تندر حيث كانت هناك نكته تقول ان المستشار الألماني ذهب لشركة مرسيدس يريد سيارة فقالت له اذهب الى وكيلنا في مصر واستئذنه. لأن خط الإنتاج الأول والثاني كان محجوزا لاثرياء مصر). ووجد بجانبه سيارة تاكسي والسائق ممسك بخناق طفل ذو خمسة عشر عاما يريد تعويض عن فانوس سيارته الأجرة الذي تكسر بفعل تصادم بينهما فما كان من الطفل الا ان طلب ان يتصل من تليفون سيارته ( لم يكن المحمول قد ظهر بعد) وبعد إنتهاء المكالمة بدقائق ظهرت سيارة مرسيدس من نفس النوع الفخم ونزل منها رجل يرتدي بدله أنيقه ولم يتكلم كثيرا وقال للسائق كم تكلفة التلفيات وقبل ان يتكلم السائق أخرج من جيبه الفين من الجنيهات واعطاهم للسائق ( تكلفة الفانوس ساعتها لا تتعدى الخمسه جنيهات) ثم استدار إلى إبنه وأمام الناس وقال " إنت مش وش عربيات مرسيدس إنت لازم تركب عربيات فيات زي ولاد الشوارع" ثم استقل سيارته وابنه كذلك ومضوا الي وجهتهم ووقف الناس يسألون حائرين هل ما شاهدوه حقيقيا؟ أهؤلاء مصريون مثلهم؟ هل أصبح ولاد الشوارع من يركبون ماركة الفيات فمن نحن إذا؟

وتمر الأيام والسنوات ويتكرر نفس الموقف ولكن بطريقة بشعه حيث تطالعنا الأخبار عن شركة إسكان في الساحل الشمالي تعلن عن فيلات سعر الواحدة 105 مليون جنيه بإجمالي حجوزات 34 مليار جنيه ويتسابق علية القوم عليها وبزحام للفوز بواحدة في بلد تعاني أزمه إقتصاديه خانقه يدفع ثمنها الفقراء وحدهم

ويبقي السؤال هل هؤلاء الناس مصريون يعيشون بيننا؟ هل يتحملون مثل فقراءها؟ من له مصلحه في جعل مصر قسمين قسم Egypt بأثرياءه وقسم مصر بفقراءه؟

تخيل أن يصبح من يملك شقة في مصر الجديده من أولاد الشوارع فما بالك بوسط البلد والأرياف ماذا نطلق عليهم؟

مصر أصبحت لا جمهورية ولا ملكية وإنما " جمهولكيه " لا تعرف لها شكل طبقي وإنما انقسام مجتمعي حاد يدفع ثمنه الفقراء فقط

فيلم النوم في الطيبات

  بقلم ياسر رافع  من يتابع قضية الدكتور الراحل " ضياء العوضي" منذ بدايتها وحتى وفاته وإلى الآن، سيجد أننا نعيش حرفيا أحداث فيلم ...