الاثنين، 27 يناير 2025

مصر والسلام الأمريكي .. حدود المغامرة والتمرد !!


 بقلم ياسر رافع 

لم تكن تصريحات الرئيس الأمريكى الجديد القديم " دونالد ترامب " ، عن قوة أمريكا فى إحلال السلام فى غزة ، ولا قوة أمريكا العسكرية فى الحفاظ على السلام العالمى فى حفل تنصيبه لولاية جديدة لحكم أمريكا ، وليدة المصادفة ولكنها تعبر عن جوهرالصراع العالمي بين القوى العظمى عبر التاريخ للسيطرة على العالم .
ولكن أى سلام يعنى ؟!!
سلام كما عرفه " مايكل إى ايدىن مولر فى العام 1963 قائلا "
السلام. فأي سلام أعني وأي سلام نسعى إليه؟ ليس السلام الأميركي الذي تفرضه الولايات المتحدة على العالم بأسلحة الحرب الأميركية. وليس سلام القبرأو أمن العبيد. بل إنني أتحدث عن السلام الحقيقي، ذلك النوع من السلام الذي يجعل الحياة على الأرض تستحق أن تعاش، والنوع الذي يمكن الرجال والأمم من النمو والأمل وبناء حياة أفضل لأطفالهم ـ ليس السلام للأميركيين فحسب، بل السلام لكل الرجال والنساء، وليس السلام في عصرنا فحسب، بل السلام في كل العصور "

أم تصريح  "رويل مارك جيريشت "، أحد زملاء مشروع القرن الأمريكي الجديد ، أثناء الحرب على العراق الذى قال " ليس أمامنا خيار سوى إعادة بث الخوف الذي يحيط بأي قوة عظمى في نفوس أعدائنا وأصدقائنا... إن الحرب ضد صدام حسين وحدها هي التي ستعيد بشكل حاسم الشعور بالرهبة الذي يحمي المصالح الأمريكية في الخارج والمواطنين في الداخل"
فى هذة اللحظة التاريخية التى يعيشها العالم ، هل تريد شعوب العالم سلاما يجعل الحياة تستحق أن تعاش ، أم سلاما يبث الخوف فى النفوس لصالح قوة عالمية تريد الحفاظ على مصالحها فقط ؟!!
................................................................................
مثل الإنتصار الذى قام  به الإمبراطور الرومانى " أوكتافيان "  _أغسطس فيما بعد_ على تحالف ملكة مصر "كليوباترا" والقائد الرومانى " ماركوس أنطونيوس" ، فى معركة أكتيوم عام 31 قبل الميلاد ، علامة فارقة فى تأسيس مصطلح السلام العالمى والذى عرف قديما بالسلام الرومانى والذى إمتد لأكثر من 200 عام بعد تلك المعركة الفاصله : حيث توسعت الإمبراطورية وأصبحت تحكم أكثر من ثلث سكان العالم ، وتحكمت فى التجارة العالمية وأصبحت الفيالق العسكرية الرومانية الجبارة عنوانا للقوة وردعا لكل من يحاول المساس بهيبة الدولة الرومانية ، وترسيخا لمبدأ السلام الرومانى القائم على الهيمنه للحفاظ على مبدأ السيادة فى العالم ، وحفاظا على تجارتها وإقتصادها الذى يضمن ديمومة بقاءها .
والسلام الرومانى كفعل مارسته كل الدول الكبرى والإمبراطورية عبر التاريخ ، وهو ما يفسر ما تفعله أمريكا حاليا ، خصوصا بعدما دانت لها السيطرة على العالم بعد سقوط منافسها الأكبر وهو الإتحاد السوفيتى 1990 ومنذ تلك اللحظة وأمريكا تمارس فعل السلام الأمريكى القائم على الهيمنه ، تارة بالشق الإقتصادى وتارة بالشق العسكرى .
هل نشهد تراجعا للسلام الأمريكى فى منطقتنا العربية على الأقل يقلل من وطأة الهيمنه الأمريكية ؟!!
...............................................................................
لم يكن مشهد تسارع الفيالق الأمريكية العسكرية من بوارج وحاملات طائرات وغواصات نووية وأقمار صناعية فى الفضاء نحو قطاع غزة بعد سويعات قليلة يوم 7 أكتوبر 2023 ، بعد هجوم " حماس" على إسرائيل ، إلا تأكيد لمبدأ السلام الأمريكى القائم على الهيمنه والذى لا يقبل أن تمس هيبته ، وليس للدفاع عن إسرائيل ومشروعها الخاص بقدر الحفاظ على مصالحه وعدم المساس بها ، وأن حرب غزة أثبتت أن إسرائيل بالنسبة لأمريكا لا تعدوا قلعة متقدمة للفيالق العسكرية الأمريكية فى منطقة تمثل حجر الزاوية فى الصراع العالمى . وأن مشهد فيالق السلام الأمريكى العسكرية الضخم لم يكن لإرهاب حماس الفلسطينية وردعها فقط ولكن لإرهاب كل من تسول له نفسه مقارعة أمريكا فى مناطق نفوذها ، مثل الصين وروسيا وإيران ، ولعل خروج روسيا من المنطقة وتراجع الدور الإيرانى لداخل حدوده والظهور الباهت للدور الصينى فى الأزمة ، هو نتاج لممارسة فعلية لقوة السلام الأمريكى القائم على الهيمنه المدعوم بقوة عسكرية هائلة لم تتوفر لدولة عبر التاريخ حتى الأن .

منذ بداية حرب تحرير الكويت ، وبعدها إحتلال العراق ، ثم إندلاع ثورات الربيع العربى 2011 ، ثم سقوط ليبيا واليمن فى حرب أهلية ، وسقوط سوريا فى يد المليشيات المسلحة وبعضها مدعوم أمريكيا  وزوال نظام الأسد ، وهزيمة حزب الله فى لبنان ، هل يمكن أن نقول أننا وصلنا إلى أعلى مراحل السلام الأمريكى فى المنطقة وأكتملت الهيمنه !! أم أننا على أعتاب مرحلة أشد كتامه قادمة مع إدارة ترامب الجديدة ؟!!
....................................................................
لقد أعادت حرب 7 أكتوبر 2023 فى قطاع غزة إنتاج مشهد ما بعد معركة أكتيوم البحرية على الشواطئ المصرية والتى دشنت مرحلة السلام الرومانى قديما والقائم على الهيمنة وبداية حقبة مظلمة من التبعية ، وهو ما سيفرض ضغوطا هائلة على البلدان العربية وخصوصا مصر ، والتى ظاهريا خرجت من تداعيات الحروب الأهلية فى الداخل العربى ، ولكنها كانت الخاسر الأكبرعلى البعد الإستراتيجى والأمن القومى ، بعدما أصبحت جهاتها الأربع على حدودها المباشرة ملتهبة ومناطق صراع تشتعل بها النيران . وعلى الرغم من أن مصر عمليا فى تعاون وتحالف غربى منذ نهاية عصر الرئيس " السادات" وإلى الأن ، إلا أن هذا لم يمنعها من محاولات للإفلات والتمرد على السياسة الأمريكية فى المنطقة، وهو ما جعلها تصنف تحت بند " الحليف المتمرد " ، وذلك بسبب متطلبات الأمن القومى المصرى الخاصة ورفضا للتبعية ومحاولات مستمرة للإستقلال بعيدا عن سياسات الهيمنه فى المنطقة ،
لكن هل تصمد مصر أمام تداعيات حرب غزة وتعزيز نفوذ السلام الأمريكى وفيالقه العسكرية  ؟!!
...................................................................
لقد أثبتت حرب أوكرانيا أنه لا توجد قوة على الأرض تستطيع أن تفرض سلامها الخاص ، بسبب قوة السلام الأمريكى وفيالقه العسكرية وهيمنته على الإقتصاد العالمى وسيطرته على الممرات البحرية العالمية ، وعليه فإن أداء القوى العالمية فى حرب غزة وتراجعها أمام أمريكا أكد بما لا يدع مجالا للشك أن محاولة مقارعة أى دولة فى المنطقة لأمريكا هو محاولة إنتحار سياسى وعسكرى وإقتصادى لتلك الدولة .
وعليه فإن مصر التى مارست فعل المغامرة أيام الرئيس " عبد الناصر" للحيلولة دون وصول فيالق السلام الأمريكى للشواطئ العربية بعد الحرب العالمية الثانية ، والذى إنتهى بكارثة فقدان الإستقلال الوطنى فى حرب 1967 ، وفعل التمرد بعدما أيقنت أن السلام الأمريكى واقع لا يمكن الفكاك منه منذ عصر الرئيس " السادات " إلى الأن والذى تحطم مع نهاية إستلهام معركة أكتيوم القديمه على شواطئ غزة حديثا ولم يعد للتمرد ما يسنده ويغذيه بعدما سقط المحيط الإستراتيجي كله .
لذلك فإن مصر فى حالتها الراهنه لا تستطيع المغامرة بسبب الظروف الإقتصادية والإستراتيجية والسياسية داخليا وخارجيا وأن إستلهام روح الناصرية نوع من الإنتحار فى هذة اللحظة التاريخية ، وأن محاولات التمرد التى مارستها بسبب قضايا بعينها مثل القضية الفلسطينية أصبحت فى مهب الريح بسبب التدخل العسكرى المباشر فى الأزمة خلافا للسابق .
إذا ماهى السيناريوهات أمام مصر للتعامل مع السلام الأمريكي وفيالقة العسكرية ؟!
............................................................................................
أمريكا سلامها فى المنطقة قائم على أمن الممرات البحرية والمواصلات ، وأمن الطاقة ، وأمن إسرائيل قلعتها العسكرية المتقدمه فى المنطقة ، وكذلك مكافحة الإرهاب والجماعات المسلحة ، وهذة الأسباب يمكن لمصر التعاطى معها وهى ليست جديدة فى التعاون مع أمريكا فى كل تلك الملفات منذ عشرات السنين ، ولكن هذا كان نابعا من وجهة نظر شبه مستقلة عن سياق السلام الأمريكى تحافظ به على مساحة حركة تضمن أمنها ، ولكن مع تدهور الأمور لغير صالح مصر وبروز التفوق الكاسح للسلام الأمريكى فهنا يجب أن تتحسب مصر لأى مغامرة أو تمرد غير محسوب وسط تلك الظروف التاريخية الصعبة ، حتى لا تضطر للإنصياع الكامل لشروط السلام الأمريكي ، وأن التحدث بلغة المصالح الضيقة لمصر فقط فى هذة المرحلة خصوصا مع سقوط الدول العربيه الرئيسية وذهاب دول الخليج لتطبيع كامل مع إسرائيل تحت مظلة فيالق السلام الأمريكي العسكرية ، سيضمن لها حضورا في ترتيبات البيت العربي فى المرحلة القادمة ، وأن أى محاولة عكس ذلك فإن عواقب المغامرة فى 1967 ، والتمرد فى 2011( الربيع العربي ) ، ستكونان حاضرة وبقوة ، تهددان السلام والإستقرار السياسى فى البلاد مما ينبئ عن تحولات سياسية ضخمة ستكون مصر مطالبه بها ، واقعة بين سندان فقدان الإستقلال الوطنى ، أو مطرقة تغييرات سياسية تطال هيكل الدولة ذاتها .
....................................................................................
إذا إستمر تسارع وتيرة الأحداث علي نفس المنوال نحو الهيمنه الكاملة للسلام الأمريكي في المنطقة ، فيجب أن تسارع مصر لإحداث تغييرات سياسية وإقتصادية واسعة ومحسوبة في الداخل ، للحيلولة دون إستدعاء التذمر الشعبى كبطن رخو للضغط به للحصول على إملاءات وشروط تطال الحاضر وتجعل من المستقبل مجهولا . ويجعل من عواقب المغامرة والتمرد السابقين مجرد نزهه لما هو قادم .
مصر موقفها صعب ، لكن دروس التاريخ يجب التعلم منها !!

الجمعة، 3 يناير 2025

مصر وسوريا !! لماذا تأخر العناق بينهما ؟!!


 

 بقلم ياسر رافع 

إذا كانت منابع النيل هى شريان الحياة لمصر ، فإن سوريا هى بمثابة الرئة التى يتنفس منها الجسد المصرى ، هذا هو مفهوم سوريا فى مفهوم الأمن القومى المصرى عبر التاريخ _ إذا جاز لنا التعبير_ وعليه فأى تغيير فى طبيعة سوريا الجغرافية والسياسية سوف يحدث أثرا فوريا يستدعى التدخل سواء سلما او حربا !! .
ولكن مع زوال نظام الأسد أمام المليشيات المسلحة السورية ، ومع عدم عدائية القيادة المصرية مع القيادة الجديدة لسوريا ، بل أكدت مصر على لسان الرئيس المصرى " عبد الفتاح السيسى " على وحدة التراب السورى ورفضها لتقسيمه بل دعى أيضا الشعب السورى للعمل سريعا على بناء سوريا والإبتعاد عن الهدم.
وعلى الرغم من توافد الوفود العربية والإقليمية والدولية على سوريا لمحاولة فهم حقيقة ما يجرى فى سوريا إلا أن غيابا واضحا للقيادة المصرية على كافة مستوياتها الدبلوماسية والأمنية بات ملحوظا لكل المتابعين للمشهد السورى ، اللهم من حدوث إتصال تليفونى بين وزير الخارجية المصرى ونظيره السورى الجديد مع الساعات الأولى من بداية العام الجديد 2025 ، وهو إتصال يبدوا أنه قد تم بعد محاولات تقريب لوجهات النظر ، وربما لإزالة حساسيات وتخوفات لدى القيادة المصرية من قبل أطراف عربية أو دولية .
لكن يبقى السؤال ، لماذا تأخرت القاهرة للذهاب إلى دمشق ! هل هناك ما يمنع ؟!
......................................................................................................
لقد تميزت العلاقة بين القيادة المصرية ونظام الأسد منذ نشأته بل حتى من قبل أن يقوم حافظ الأسد بإنقلابه بشهور ، حيث حذر الرئيس " جمال عبد الناصر" قبل وفاته القيادة السورية آنذاك من محاولة إنقلاب للأسد ، وبعد حدوث إستيلاء " حافظ الأسد " إتسمت العلاقة بين حافظ الأسد والرئيس السادات بالدفئ والتعاون نظرا لظروف الحرب مع إسرائيل فيما بين عامى 1967 وعام 1973 ، ولكن توترت العلاقة بسبب مباحثات فض الإشتباك بين مصر وإسرائيل ، وصولا للقطيعة بينهما بعد عقد إتفاقية كامب ديفيد ، وهو ما جعل سوريا تلجأ للإتحاد السوفيتى لإنشاء قاعدة عسكرية له على أراضيها من أجل حمايتها وهو ما زاد من التوتر بينهما . وأستمرت القطيعة بين النظامين إلى أنه مع منتصف ثمانينيات القرن العشرين قد تم الصلح بين نظام " حافظ الأسد" ونظام " حسنى مبارك " وبدأت الأوضاع تتحسن ، حتى أن مصر قد بعثت ببارجتين حربيتين للسواحل السورية لإعلان تضامنها ووقوفها بجانب سوريا خلال أزمة تهديد تركيا بإعلان الحرب عليها إذا لم تسلم المعارض الكردى " عبد الله أوجلان " وهى الأزمة التى إستمع فيها الأسد لنصيحة مبارك وكان الحل الوسط هو طرد أوجلان خارج سوريا ، وقد كان !!
ومع تولى " بشار الأسد " الرئاسة مكان والده إلا أن نظام مبارك ظل يتعامل معه على نفس السياسة نظرا لإستمرار الإبن على نهج أبيه وسياساته التى لا تستجيب للمتغيرات العالمية والإقليمية .
ومع إندلاع ثورات الربيع 2011 فى مصر ، فقد بات بديهيا أن تنتقل عدوى الثورة إلى سوريا وهو ما قد حدث ، لكن عكس ما حدث فى مصر ، فقد تحولت الثورة السورية إلى حرب أهلية سالت فيها الدماء غزيرة بين أطياف المكون الشعبى السورى . ولكن مصر خلال فترة المجلس العسكرى التى تلت نهاية حكم الرئيس السابق "مبارك" ، قد رفضت علي لسان رئيس المجلس ووزير الدفاع " حسين طنطاوى" محاولات عربية ودولية لإرسال قوات لسوريا لحقن الدماء فيها وذلك خوفا من حرب أهلية ولعدم التدخل فى الشأن السورى ، ولكن خلال حكم الرئيس السابق "محمد مرسى" أعلن وقوفه مع الثورة السورية وأعلن قطع العلاقات بين مصر ونظام " بشار الأسد " ، ولكن سرعان ما قامت ثورة 30 يونيو 2013 فى مصر معلنة نهاية نظام الرئيس"مرسى" وأستمرت العلاقات كما هى ، ولكنها تدهورت لحد القطيعة الدبلوماسية مع نظام الرئيس " عبد الفتاح السيسى " بسبب وحشية النظام السورى خلال الحرب الأهلية  ووقوف المجتمع الدولى والعربى ضد تلك الوحشية ، ولكنها رجعت مرة اخرى قبل سقوط النظام السورى بأشهر قليلة .
لماذا إذا  والعلاقات بين مصر ونظام الأسد هكذا ،لم تبادر مصر لمد يد العون للنظام الجديد ؟!
............................................................................................................
فى العام 2021 إتهمت تركيا مصر بمساعدة منظمة PKK أو حزب العمال الكردستانى ، وذلك وسط حملات تركية محمومة ضد مصر أثناء الأزمة السياسية بين البلدين قبل المصالحة بينها ، وإحتدام الحرب الأهلية السورية ، وهو التصريح الذى لم تؤكده مصر أو تنفيه ، لكنه كان رسالة لكل متابع للشأن المصرى أن تدخل إقليمى ودولى فى سوريا بالنسبة لمصر هو أمر إستدعاء ضرورى للحفاظ على مقتضيات الأمن القومى المصرى بغض النظرعمن يتولى الحكم فى سوريا ، خصوصا وأن نظام " بشار الأسد " إستدعى أطرافا إقليمية ودولية سواء متحالفا معها كإيران وحزب الله اللبنانى وروسيا ، أو معاديا لها مثل تركيا و أمريكا والغرب .
وهكذا أصبح نظام " بشار الأسد " يمثل عبئأ ثقيلا على النظام الأمنى العربى ونظام الأمن القومى المصرى فى القلب منه . خصوصا مع وجود مقاتلين أجانب فى سوريا لتنظيم القاعدة وتنظيم داعش ، وكذلك تحول كثير من الشباب السورى إلى مرتزقة لدى شركات أمن دولية مثل " فاجنر" الروسية ، وشركة " سادات" التركية يقاتلون فى كامل الإقليم ، وهو ما إكتوت بناره مصر فى سيناء وحدودها الغربية .
ومع سقوط نظام " بشار الأسد" الدراماتيكي السريع والمفاجئ على يد المليشيات المسلحة وإستيلائها على الحكم ، هنا شعرت القاهرة أن تخوفاتها الأمنية فى محيط أمنها القومى قد أصبحت كابوسا ،   

 

ما هى تخوفات مصر الأمنية والتى تمنعها من التعامل مع النظام السورى الجديد حتى الأن ؟!!
.......................................................................................................
بعد تولى الرئيس المصرى " عبد الفتاح السيسى" حكم مصر بعد خلع نظام حكم الرئيس السابق " محمد مرسى " ، واجهت مصر تحديات أمنية كبيرة وصولا لحرب على الإرهاب فى سيناء والحدود الغربية لمصر، وكانت سوريا حاضرة فى المشهد المصرى بقوة حتى بعد سقوط نظام " بشار الأسد "لعدة أسباب منها :
1- وجود مقاتلين أجانب وسوريين قاتلوا ضد الدولة المصرية فى سيناء منتمين إلى تنظيمى القاعدة وداعش ، بعدما فقدت الدولة السورية التحكم فى حركة المقاتلين الداخلين والخارجين منها عبر حدودها .
2- وجود مرتزقة سوريين لدى شركة " سادات " الأمنية التركية قاتلوا فى ليبيا ضد المصالح المصرية أثناء القطيعة السياسية بين مصر وتركيا
3- سمحت الحرب الأهلية السورية لتمدد تركيا أمنيا وجيوسياسيا داخل سوريا بما يضر بالأمن القومى المصرى خصوصا بعد سقوط نظام " بشار الأسد " فى تكرار لما حدث فى ليبيا أثناء  وبعد الحرب الأهلية فيها ، والذى أوجد دوله محافظة على جغرافيتها ولكنها مقسمه فعليا بين شرق وغرب ، وهو ما ينبأ بتكراره فى سوريا
4- مصر التى عارضت وجود قواعد روسية منذ البداية فى سوريا لتأثير ذلك على أمنها القومى ، هاهى روسيا تنهى وجودها العسكرى فى سوريا مع إنهيار النظام ولجوء " بشار الأسد " إليها ، ولكنها تنقل قواتها وقوات سوريه سواء نظاميين من الجيش السورى المنحل أو من مرتزقة سوريين تابعين لها ، مع معدات ثقيلة ودفاع جوى وطائرات إلى قاعدة فى وسط ليبيا فى مناطق نفوذ " خليفة حفتر" فى إعلان غير صريح عن إنشاء قاعدة عسكرية روسية بديله لما فقدته فى سوريا على الأراضى الليبية ، وهو ما إستدعى ذهاب رئيس المخابرات المصرية " حسن رشاد " إلى ليبيا لبحث هذا الأمر وتداعياته على الأمن القومي المصرى
5- المليشيات التى إستولت على الحكم فى سوريا هى خليط غير متجانس ، ولكن ما يهم مصر هم المنتمين إلى تنظيمى القاعدة وداعش وكذلك المقاتلين المصريين الموجودين هناك والذين  تولى بعضهم مناصب أمنية فى الجيش السورى الجديد ، وهذا يعتبر هاجس أمنى خطير لدى مصر .
5- تخوف القاهرة من الإنكسار الحاد فى سياسة تحالفات النظام السورى الجديد كما النظام القديم ، إيران وروسيا فى السابق وتركيا وقطر وأمريكا حاليا ، وهو ما يربك حسابات القاهرة الأمنية

هل هناك سبيل لإزلة تلك التخوفات الأمنية والسياسية بين مصر وسوريا  ؟!!
.....................................................................................................
مصر وسوريا دولتان لا يستطيعان الإستغناء عن بعضهما البعض ، حتى مع إختلاف شكل النظام السياسى فيهما ، ولكن تبقى التخوفات السياسية والأمنية هى الهاجس الذى يعكر صفو العلاقات بينهما ، وعليه فإن القيادة الجديدة فى سوريا والتى رحبت بها جموع الشعب السورى رغم التحديات الأمنية الكبيرة التى تواجها عليها أن تزيل أى لبس أو توجس لدى مصر من أى تهديد قد يخرج من سوريا يهدد المصالح المصرية ، الجيوسياسية والأمنية سواء على حدودها أو فى دول الجوار .
وأن الحديث التليفونى الذى دار بين وزير خارجية مصر وخارجية سوريا " الجديدة"  والذى تطرق لعدم التدخل فى الشؤون الداخليه لكلتا البلدين هو أساس مهم تبنى عليه علاقات جديدة مستقرة ومزدهرة  بين البلدين ، تكون نتيجتة عناق من المحبة بين النظاميين السياسيين يدشنان بعده علاقات مستقرة ومستدامه تحفظ أمنيهما كما كان عبر التاريخ القديم والحديث .
هل يحدث هذا العناق قريبا ؟! أعتقد أن دولا عربية وإقليمية تمهدان الطريق لذلك

الثلاثاء، 10 ديسمبر 2024

هل تقسم سوريا ؟!


 

بقلم ياسر رافع 

سؤال أظن أن الإجابة عليه في ظل الأوضاع السياسية والعسكرية السائلة على الساحة السورية عقب دخول المليشيات المسلحة لدمشق معلنة سقوط نظام الرئيس السوري " بشار الأسد"، وكذلك سيولة الأحداث السياسية والعسكرية في منطقة الشرق الأوسط كتداعيات مباشرة للحرب الروسية الأوكرانية صعب!! . وعليه فإن الجزم بتقسيم سوريا إلى دويلات أو مناطق كونفدرالية أو فيدرالية هو نوع من القفز للأمام في الهواء تجاوزا للحقائق على الأرض السورية والتي ترتبط ارتباطا وثيقا بالحقائق الجيوسياسية لما حولها في الشرق الأوسط. وأن حالة العدائية التي قوبل بها ما حدث في سوريا من قبل كثرة من القوميين والليبراليين واليساريين العرب ليس لها ما يبررها مقابل فرحة السوريين بكامل طوائفهم بزوال نظام الأسد سوي أن ذاك النظام هو آخر معاقل الفكر القومي العربي.

وبعيدا عن التخمينات والتهويمات دعونا نستعرض الحقائق على الأرض السورية والشرق الأوسط من خلال خريطة الصراع الداخلي وحجم التدخل الخارجي من خلال تحليل متطلبات الدول المنخرطه في الصراع السوري الداخلي.

أولا : بعد إنتهاء عملية سقوط دمشق من قبل الميليشيات وصمت السلاح وبداية الإنخراط سريعا في عملية الإنتقال السلمي للحكم وبناء المؤسسات. فقد بات واضحا أننا أمام قوتين عظميين يسيطران على المشهد السوري وهما مليشيات التجمع السني بكل أطيافه المعتدله والمتطرفة و المليشيات الكردية. وهذان التجمعان لن يغامرا بالإنقلاب على بعضهما البعض إلا في حالة تعثر عملية الإنتقال السلمي للسلطة، وهنا يمكن الحديث عن بداية إحتراب داخلي ليس بالضرورة سيؤدي إلى تقسيم بقدر انه سيكون مرهون بشبكة تحالفات دولية من خارج سوريا.

ثانيا : تركيا.. وهي الدولة التي ينظر لها على أنها صاحبة الدور الأساسي في إسقاط نظام " بشار الأسد"، والتى ينظر لها أيضا من البعض على أنها تريد إقتطاع جزء من سوريا كما حدث قديما في لواء الأسكندرونه، ولكن هذة المرة تركيا تخشي من تقسيم سوريا لسببين

1.. خشية ان تقوم دولة كردية مستقلة على حدودها الجنوبية بإتصال ديموجرافي داخل الأراضي العراقية التركية  ويكون ذلك مقدمة لصراع داخلي تركي كردي.. وتركي عراقي

2.. قيام دولة كردية سيكون فرصة لإيران تقوض بها مكتسبات تركيا في سوريا

ثالثا : إيران.. والتي تلقت ضربة قاصمة بخروجها المهين من سوريا وقبلها الضربات القاصمة لأذرعها العسكرية على الأرض العربية، والتى قوضت حلمها الإمبراطورى بالتواجد على شاطئ البحر المتوسط تريد سوريا موحدة لسببين :

1_ قيام دولة كردية سيغري أكراد العراق بالإنفصال وهؤلاء لديهم إمتداد داخل إيران مما يجعل من نيران تقسيم سوريا تطال الداخل الإيراني

2_ تقسيم سوريا عبر صراع مسلح قد يدفع الفصائل السنية كداعش وتنظيم القاعدة إلى التوسع خارج سوريا في العراق كما حدث إبان حرب داعش في العراق ولكن هذة المرة سيكون الدافع سنى شيعى مدفوعا بكراهية قاتمة بسبب ما فعلته إيران في سوريا

رابعا : إسرائيل.. وهدفها يبدوا واضحا وجليا على الرغم من إجتيازها لخط الهدنة وإحتلالها لبعض الكيلومترات الجديدة، فهي لا تريد تقسيم سوريا وفق الحدود الدولية ولكن وفق الداخل السوري فهي تريد شكل فيدرالي أو كونفدرالي داخل الحدود الدولية المعترف بها حتى لا تسمح بوجود بتدخل دولي إقليمي أو دولي يضر بمصالحها كما حدث من إيران مع نظام " بشار الأسد".. كل هذا مع نزع سلاح المليشيات وإنخراطها في عملية سلام كامل معها

خامسا : الدول العربية وعلى رأسها مصر.. الذين فطنوا في النهاية أن نظام " بشار الأسد" أصبح عبئا عليهم وأن مواقفه الرافضه لكل مقترح عربي لحل الأزمة الداخلية وكذلك إرتباطه بالنظام الإيراني على حساب الأمن العربي. هنا كان الصمت العربي عن إدانة الموقف التركي من خارج السياق العربي فيما حدث في سوريا بمثابة موافقة ضمنية على إزاحة النظام السوري والتخلص من الوجود الإيراني، وفق مواقف علنية على التمسك بعدم تقسيم سوريا لما له من تداعيات خطيرة على كامل الإقليم، في موقف مشابه لما حدث إبان حرب تحرير الكويت والتي كانت أمريكا تريد بعدها تقسيم العراق وهو ما قوبل برفض عربي آنذاك لما له من تداعيات وهو ما ثبت أخيرا بعد إحتلال أمريكا للعراق وما بعدها.

سادسا : أمريكا.. ليست راغبة في تقسيم سوريا لعدة أسباب

1_ أمريكا لا تريد عودة التنظيمات الإرهابية ولها تجربة سابقة والتحالف الدولي ضد داعش

2_ لا تريد أن تغضب حليفتها تركيا بالسماح بقيام دولة كردية تكون بداية لصراع طويل الأمد داخل تركيا يكون عودة للنفوذ الروسي والإيراني داخل سوريا مرة أخرى بجوار إسرائيل ومزعزع للإستقرار لحلفاءها العرب

3_ أمريكا لا تريد تقسيم سوريا وإنما تريدها مقسمة داخليا عبر صيغة فيدرالية تكون فيها اليد العليا لسلطة متعاونه ومنخرطة في عمليات السلام في المنطقة

4_ سوريا سنية موحدة ضمانه لبداية إنحسار بل قطع أذرع إيران العسكرية في المنطقة وهو ما يتلاقى مع مصالح الدول العربية وتركيا في المنطقة.

بعد هذا أعتقد أن سيناريوهات التخوفات من تقسيم سوريا من داخل سوريا يقابلها حقائق سياسية وجيوسياسية من خارجها أيضا. لهذا أعتقد أيضا ان سيناريوهات التقسيم مستبعده في المدى المنظور بسبب عدم إستعداد دول الإقليم وأمريكا والغرب لخوض حروب مصالح على التراب السوري خصوصا وأن حرب أوكرانيا بتداعياتها على المنطقة خارج دائرة الحل

في النهاية يبدوا أننا إستبعدنا روسيا من المشهد الروسي، لأنه ليس راغبا في القتال من أجل العرب لأنهم ينظرون إليه على أنه " حليف تحت الطلب" يستدعي فقط وقت الأزمات وكذلك لجروحه العميقة جراء الحرب في أوكرانيا

..........................

كل ما سبق مجرد قراءة لمشهد من خارج السياق، لأن الأوضاع لا زالت سائلة في الداخل السوري وكذلك في دول الإقليم ورغبة محمومة لم تتضح معالمها بعد للإدارة الأمريكية القادمة بقيادة " ترامب" لإطفاء الحرائق حول إسرائيل وتقويض الدور الإيراني في المنطقة أو ترويضه

الخميس، 24 أكتوبر 2024

كيف وصلنا إلى هذة المرحلة !! هل ما زال للزمار دورا ؟!!


 


 
بقلم ياسر رافع 


كل ما حولنا يتساقط كأحجار الدومينو ، الأفكار والمعتقدات ، كل شئ بلا إستثناء أصبح عرضه للكسر والتحطيم ، حتى أصبحنا لا نثق فى شئ ، وتساقطت الأحلام على الأرض متحطمه كقطع الزجاج الحادة الحواف ، تجرح كل من يتجرأ على تبيان وتفسير ما حدث .
لماذا وصلنا إلى تلك المرحلة من الهوان والإنكسار الحضارى فى أسرع مدة زمنية عدت ببضع عشرات من السنين  فقط ، وهو أسرع إنحدار وصلنا له فى فترة زمنية مماثله سابقه لها فى التاريخ ؟
ما هو السبب ؟!!
.........................................................................................................
فى مقال للكاتب الراحل " محمد حسنين هيكل " فى مجلة " وجهة نظر" ، طرح تصورا لما يمكن أن تكون إجابه لما وصلنا له من إنحدار ، وقد حصره فى مصطلح أسماه " القشط والإزاحه " ، وهو مصطلح فى ظنى قد أجاب عن إشكالية كبيرة تمثل عقدة مصرية اصيله فى فلسفة الحكم ، حيث إتسمت كل مرحلة حكم فى مصر بما يشبه المفاصله عما قبلها عبر ممارسة عملية إزاحه لرموزالفكر ومفكرين المرحلة التى سبقتها إرتضاءا أو جبرا عبرعملية قشط قسرية . والمتبقي هم من القادرين على ممارسه دور بأفكار الحكم الجديد .
وقد مارس كل حاكم مصرى تلك العملية .
 ففى بداية العصر الجمهورى 1952 حدثت عملية قشط وإزاحه لكل ما يمت بصله للعهد الملكى تحت تصور بناء النظام الجمهورى الحديث ، وتم له ما أراد ولكن وفق تصوراته الخاصة .
ولكن ما أن إنتهى عصر الرئيس " جمال عبد الناصر " قام الرئيس " أنور السادات " بعملية قشط وإزاحه لعصر " عبد الناصر" ، تحت تصور بناء شرعية جديدة لحكمه بعد إنتصار أكتوبر 1973 . ولكن مع طلقات الرصاص التى إغتالته  ومع تولى نظام الرئيس " مبارك " الحكم حدثت أكبرعملية قشط وإزاحة لكل ما يمت للفكر والحضارة بصله أوصلت البلاد إلى ما يشبه الموات وعدم اليقين بوجود المستقبل مع إنهيار التعليم .
وهو ما جعل من ثورة 25 يناير خاليه من الدسم ، خاليه من الأفكار والمفكرين ، وغلب عليها بقايا فتات أفكار من نتاج عمليات القشط والإزاحه التى مورست على الأفكار والمفكرين طيلة سبعة عقود ماضيه عليها.
بعدما أصبح معروفا لكل من يحاول أن يوقف عملية القشط والإزاحه وبناء نمط تفكير وصناعة أفكار جديدة أن يكون عقابه على شاكلة " سرير بروكست " ، تلك الميثيولوجيا اليونانية السوداء التى تحكي عن بروكست قاطع الطريق الذى لديه سريرين يفرشهما على قارعة الطريق ، واحد على مقاسه ينام عليه ، والأخر للضحية التى يقتلها ، وعندما كان يمر أحد الضحايا فى الطريق يطلب منه أن ينام على السرير ، فإذا كان الضحية طويلا عن السرير قطع أوصاله ليناسب السرير ، والعكس مع القصير فيقوم مط جسم الضحية ، ولكن بمرور الأيام أصبح مهووسا بفكرة بتقطيع الأوصال بما يناسب سريره ، وأصبح بروكست نموذجا للمعد سلفا من قبل الأقوى للسيطرة على الضعيف .
هل بروكست بنموذجه الدموى هو ما تم تنفيذه وهو ما أوصلنا إلى تلك المرحلة ؟
..............................................................................................
فى إحدى المدن الألمانية  قديما كانت الفئران مشكلة كبيرة جدا تؤرق الناس حتى أصبحوا يخافون على حياتهم بسببها ، هنا وضع عمدة المدينة مكافأة كبيرة لمن يخلصهم من تلك الأزمة الوجودية . وفى أحد الأيام دخل المدينة رجل زمار يرتدى ثيابا مزركشه وعرف بقصة الفئران ، فعرض على عمدة المدينة أن يخلصهم من الفئران  فأجابه لمطلبه !! ، وفى ثانى يوم سمع سكان المدينة صوت لحن مزمار جميل فخرجوا ليستطلعوا الأمر فوجدوا الزمار يلحن بمزماره فى الطريق ووجدوا كل فئران المدينه تخرج من جحورها وتمشى خلفه فى مشهد مهيب ، وسار فى طرقات المدينه حتى وصل إلى حافة النهر فإذا بالفئران تقفز إلى الماء وتموت غرقا وسط تعجب أهل المدينة . وهكذا تخلصت المدينة من مشكلة الفئران للأبد ، ولكن الزمار لم يأخذ مكافآته بسبب إتهام أهل المدينة له بالسحر .
وكانت تلك القصة هى لب كتاب " من الذى دفع للزمار – الحرب الباردة الثقافية " للمؤلفه " فرانسيس ستونر سوندرز " ، حيث ترصد فى سرد شيق وقائع وأسرار عن قيام المخابرات المركزية الأمريكية بإنشاء " منظمة الحرية الثقافية الأمريكية " عقب الحرب العالمية الثانية من أجل مكافحة الشيوعية ، وتطورالأمر من أجل الهيمنه الثقافية على شعوب العالم ، عبر إنشاء المجلات والإذاعات والجرائد وتمويلها من وراء الستار ، وقد إستخدمت فكرة الزمار الألمانى القديمه ، وجندت كتابا كبارا مثل " أرثر ميللر " و " جورج أوريل "_ صاحب روايتى " مزرعة الحيوان " و " 1984 " اللتان تدخلت وكالة المخابرات الأمريكية بتعديلات عليها بل وتحويلها إلى أفلام للكبار والصغار _ ليكونوا زمارين لجذب الجماهير حول العالم حول الثقافة الأمريكية بعيدا عن الشيوعية والتبشير بالنموذج الأمريكى ، وكذلك جندت زمارين عن طريق غير مباشر لا يعلمون أنهم تحت التجنيد طبقا لإحدى التوجيهات السرية ، حيث يعتقدون بأن ما يقومون به هو لإقتناعهم الشخصى بأن كل ما تقوم به الحكومة الأمريكية صحيح .
وكانت طريقة عمل " الزمار " هى عبر الإنتصار لمفهوم " الحقيقة والتمييز " التى توصل الناس إلى أن افكار واشنطن هى الحقيقة ، عبر عملية تزييف الوعى الإجتماعى للناس حول العالم وهو ما يسهل عملية التمييز التى حتما ستصب فى إتجاة الثقافة الأمريكية ، كل هذا عبر إستخدام الدعاية الزائفة ضد ما يناقض الثقافة الأمريكية وحتى يبقى الجمهور قطيعا حائرة مذهوله بإستمرار
هل ما زال للزمار دورا وتأثيرا حول العالم ؟!
................................................................................
مع سيادة نموذج " القشط والإزاحة " فى العقلية المصرية إلا أن هذا النموذج لم يكن ليسود ويأتى بالنتائج المرجوة حتى مع إستخدام العنف ، لهذا فإنه تاثر بفكرة " الحقيقة والتمييز " التى كانت قائمة على مهاجمة الأفكار المعادية بطريقة مبتكرة ، ألا وهى مهاجمتها عن طريق تفريغها من مضمونها وإيجاد بديل من داخل سياقها والدعاية له عبر " الزمار" الذى يقوم بدوره الكاتب الجاسوس ، أو الكاتب المجند من أجل الدعايه  المباشرة وغير المباشرة له .
يلاحظ هذا فى الدعاية لفكرة الناصرية ، وهى فكرة منقحة للإشتراكية بعيدا عن الشيوعية التى يراها النظام الناصرى لا تناسبه فى مواجهة الشيوعية وبعيدا عن الغرب. وكذلك فكرة الدعاية لدولة العلم والإيمان للرئيس " السادات " فى مواجهة أعداءه من التيار الناصرى واليسارى ، وقد إستخدم كلا النظامين وسائل الدعاية لجذب الوعى الشعبى ناحيتهما من أجل تثبيت أركان حكمهما ، وذلك عبر تجييش الكتاب والمفكريين للقيام بدور الزمار الألمانى لطرد ومهاجمة أعدائهما ، مما يجعل من عملية القشط والأزاحة وكذلك الحقيقة والتمييز أن تؤدى إلى النتيجة التى يرجوها النظامان الا وهى التخلص من الكتاب والمفكرين الغير موالين وجعل الحقيقة والتمييز فى وجه الجماهير هى الولاء للنظام السياسى .
هل تبقى من هذا النظام القديم ما يوحى بوجوده إلى الأن ؟!
................................................................................
مع تراجع دور وسائل الدعاية التقليدية كالتلفزيون والجريدة والكتاب ، ومع تطورالتكنولوجيا وظهور السوشيال ميديا وسيطرتها على الفضاء العالمى ودخول الذكاء الإصطناعى كمولد للأفكار ، أصبح دور الزمار أو الكاتب الجاسوس دورا هامشيا من الماضى ، وأصبحت طريقة محاصرة الأفكار بتفريغها من مضمونها من الماضى مع سقوط كل الأفكار وسيادة النموذج الليبرالى الأمريكى .
وأصبحت أدوات الدول للسيطرة ، لا تمرعبر القشط والإزاحة أو الحقيقة والتمييز بالوسائل القديمة ، بل عن طريق السيطرة على ادوات التكنولوجيا والتحكم فيما يقال وما ينشر بكبسة زرعلى الكمبيوتر ، بل تستطيع أن تحدد إتجاهات الرأى العام دون أن تبذل مجهودا كبيرا ، وأصبح النموذج الأمريكى للسيطرة عبر التكنولوجيا هو المفضل لكل الدول حيث يوفر لهم كثيرا من المال والمجهود للسيطرة ، وتحول الزمار من كاتب جاسوس أو كاتب مجند بغيرعلم إلى هاشتاج أو صور وأخبار تتداولها جيوش إلكترونية تديرها تلك الدول . ولم تعد الثقافة والأفكار هى الهاجس الذى يؤرق تلك الدول فى تلك الأيام الكالحة.
ماذا عن مصر ؟!
.....................................................................
مصر ، بعد ثورة 25 يناير2011 وما تلاها فى 30 يونيو 2013 ، مع تقادم سياسة القشط والإزاحة على الطريقة المصرية ، والحقيقة والتمييز على الطريقة الأمريكية ، ووسط سيادة النموذج التكنولوجى الأمريكى ، أعتقد أن مصر أصبحت مفرغه بالكامل من الأفكار أو بمعنى أدق ليست راغبه فى إحياء أو إبتكار أفكار جديدة للمستقبل ، وأنها أصبحت تعانى بشدة مما حصل لها من سياسات فكرية سابقة تقوم على القشط والإزاحة للأفكار والمفكرين وصولا لفكرة الكاتب المدجن ، وأصبحت كسفينة وسط محيط هادر من التكنولوجيا لا تستطيع أن تتفادى موجاته العاتيه ، فما بالك من سيطرته على شعبها من خارج حدودها .
لهذا على مصر إذا أرادت أن يكون لها مكان فى المستقبل فعليها إنتاج أفكار جديدة للمستقبل وتجييش الكتاب والمفكرين من بقايا الزمن والحاضر من أجل بناء نموذج فكرى يحافظ على الهوية ، والتخلص نهائيا من فكرة القشط والإزاحة وإعطاء الحرية لأبناءها للتعبيرعن أنفسهم ، وكذلك التخلص من الكاتب الجاسوس أو الزمار لتمرير فكرة الحقيقة والتمييز على الطريقة الأمريكية من أجل تداول حر للأفكار من أجل المستقبل .
هل يحدث ما أتمنى ؟
ممكن !!!
 

السبت، 28 سبتمبر 2024

ذكرى وفاة عبدالناصر 53 !! ذكرى نبش القبور


بقلم ياسر رافع 

ما زال يحكمنا إرث نبش القبور والبحث في أضابير التاريخ عن خطايا البشر لإثبات اللاشئ واللاضروري لتغيير الحاضر من أجل المستقبل. كما فعل خلفاء الدولة العباسية عندما إنتصروا على خلفاء دولة بني أمية، حيث أخرجوا جثث هؤلاء الخلفاء الموتى وأشبعوها ضربا بالسياط والحرق إنتقاما منهم ومن تاريخهم كله. لكن هذا لم يغير من الحقيقة شيئا، وهو أن دولة بني أمية قد زالت بالفعل ولن يجدي نفعا نبش القبور وإخراج الجثث للإنتقام وتصفية الحسابات إلا أنها رسخت مفهوم الخصومة مع التاريخ ونكران ما تم خيرا أم شرا وهو ما ولد عداوة تاريخية لا زلنا نرفل فيها إلى الآن.

.......................... 

لهذا عندما تحل ذكرى وفاة الرئيس الراحل " جمال عبد الناصر" السنوية نجد حفاروا ونباشوا القبور يظهرون ويخرجون جثته ويضربونها ويحرقونها بسياط الألسنه والتعليقات الجارحة والسباب، حتى ما أن تمر الذكرى حتى يعاد الجسد إلى القبر مرة أخرى على وعد بإخراجه في العام القادم، متناسين أن الرجل قد مات وماتت تجربته عندما خرجت جنازته الرسمية في العام 1970 بل نتجاوز هذا التاريخ قليلا ونرجع إلى الوراء قليلا في العام 1967 حيث هزيمة 5 يونيو والذي إنهارت فيه دولة يوليو 1952 بكل إنجازاتها وإنكساراتها ودخل بعدها زعيمها في طريق المرض والوفاة حتى الإعلان الرسمي بعدها بثلاث سنوات.

................... 

على ماذا يبحث نباشوا القبور في قبر عبد الناصر؟

هل تبحثون عن جثة طازجه؟ أم تاريخ يصلح للحكم به على الواقع وتبرير ما يحدث لكم في الحاضر ؟

عبد الناصر مات فإذا كنتم تبحثون عن جلد للذات وجلد للتاريخ فلكم ما شئتم ولكن الوطن حي لن يموت ويتوقف عند ذكرى إنسان مهما كانت مكانته ولكن أنتم حتما خاسرون معركة الحاضر والمستقبل وسيتبقي لكم فقط ذكرى عاشَورائيه للطم وشق الجيوب وهذا لن يحيي الميت ولا سيصحح تاريخه.

عبد الناصر.. مات وماتت دولته ولم يبقى من أثرها شيئا، لا إشتراكيته ولا نظامه الإجتماعى.. مات بإنجازاته الكبرى وإخفاقاته الكبرى. ولا حتى نظامه السياسي بكل المآخذ عليه.. حتى أن أكثر من 90٪ من الشعب ولدوا بعد مماته وتفتح وعيهم على شكل دولة آخر وأصبح ناصر مجرد تاريخ يقرأ ويناقش ويختلف عليه شأنه مثل كل الزعماء والرؤساء والملوك الذين كانوا قبله في التاريخ..

................. 

في إحدى دول شرق آسيا توجد إحدى الفئات العرقية تقوم بإخراج جثث موتاهم من الأجداد والآباء ثم يقومون بتزيينها والإحتفال بها أمام الأولاد والأحفاد إيمانا بفضلهم ثم يعيدون دفنها مرة أخرى بعدما وصلت الرسالة للجيل الجديد. وهي أن العرفان بالجميل والتصالح مع التاريخ هو شئ مهم جدا من أجل مستقبل الأجيال القادمة.

إختلفت طريقة التعامل مع نبش القبور ذما وقدحا بين البشر ولكن فكرة التعامل مع شخوص التاريخ تظل مرفوضه لأنها منافيه للعقل والمستقبل

........................ 

لهذا تعالوا جميعا نتخلى عن نبش القبور على طريقة الدولة العباسية التي تحمل معنى الخصومة مع تاريخ الأموات، وكذلك نتخلى عن نبش القبور على طريقة شرق آسيا حتى ولو فيها العظة إحتراما لقدسية الموت والموتي، ولنأخذ مسار المستقبل الذى نتخلى فيه عن الخصومة التاريخية مع شخص أو حدث لم يبقى منه تاريخيا إلا ذكره في الكتب. ثم نحاول أن نتخلص من عقلية نباشوا القبور خصومة أو مدحا ونتعامل مع أدوات العلم في تحليل التاريخ وأخذ العبر بما يفيد الحاضر وصولا للمستقبل من أجل أجيال تريده ولا تريد أن تعيش في عقلية الماضي وتتحمل نتائج تاريخ لم تراه ولم تشارك في صنعه من الأساس.

............................... 

عبد الناصر مات وماتت تجربته وبقيت فقط ذكراه يا نباشوا القبور

الخميس، 22 أغسطس 2024

نقد نقد الفكر السلفي




 بقلم ياسر رافع 

في لفته كريمه من الكاتب والأديب والشاعر الكبير دكتور / محمد السيد إسماعيل أخي الأكبر وبلدياتي أهداني كتابين له أحدهما بعنوان " تنوير المستقبل" والآخر بعنوان " نقد الفكر السلفي". وقد وجدت في عنوان كتاب نقد الفكر السلفي ما يغري بالقراءة. وقد قرأته في ليلة واحدة لصغر حجمه ( لأنه عبارة عن مقالات مجمعه للكاتب) . وقد تابعت بعدها حجم ردود الفعل حول الكتاب وقد كانت كلها في صالح تناول الكاتب للفكرة دون محاكمة المضمون ذاته، وهذا جعلني مستنفرا لإبداء رأيي بعيدا عن المجاملات، وقد كانت لي ملاحظات ربما تنقد نقد الكاتب ذاته وهي على النحو التالي :

#العنوان

لقد جاء عنوان الكتاب " نقد الفكر السلفي" موحيا بالإشتباك خصوصا في تلك الأيام المضطربه، وخصوصا وأنه مشابه لكتاب للباحث اللبناني دكتور رائد السمهوري بعنوان " نقد الخطاب السلفي" والذي تناول فيه تشريحيا وفكريا فكرة السلفية في فكر الأمام ابن تيميه وتأثيرها على الحركات الإسلامية في عصرنا الحالي . وعلى الرغم من أن كتاب الدكتور محمد السيد إسماعيل عبارة عن مجموعه من المقالات المجمعة إلا أن ترتيبها ممتاز من حيث السياق العام. وعلى الرغم من العنوان الموحي والبداية القوية تشريحيا للحركة السلفية إلا أن الكتاب في مجمله لم يتعرض للفكر السلفي كمنتج فكري متكامل مر بمراحل متعدده بل حاكم الظواهر الفكرية والفعالية والشواهد الداله عليها من خلال الاستدلالات من كبار الكتاب.

#المتن

1_نحن أمام أديب وشاعر متمكن يحاكم فكرة السلفية من خلال أدوات ما بعد الحداثة، حيث إستخدام المصطلحات الأدبية وإسقاطها على أدوات التحليل، وإستخدام قضايا ما بعد الحداثة مثل قضايا المرآة والديموقراطية للحكم على فكر لم لم يمر بمراحل تطور بعينها منذ مئات السنين ناهيك عن تطور المجتمعات التي يعيشون فيها أصلا.

2_ولكن أهم ما لفت إنتباهي في الكتاب هو محاولة الربط بين فكرة الإمامة عند الشيعة والفكرة السلفية، وهذا ليس منطقيا من حيث المضمون والشكل وان كانت بدايتهم واحده من حيث الإنطلاق من فكرة الحاكمية لله

3_ أعتقد شخصيا أن محاكمة أو تقييم الأستاذ سيد قطب كدلالة على الفكر السلفي كانت غير ضرورية لأنها كانت محاكمة تحولات فكرية لأديب ومفكر أكثر منها محاكمة لفكرة السلفي بشكل معمق

#الهوية

نهاية المقالات تشي بأننا أمام كاتب مهموم بقضايا الوطن والدين والهوية. لكن هناك لمحة تردد في ثنايا الكتاب الا وهو طبيعة الدين في مكونات الدولة وخاصة السياسة فأراه معجبا بالدكتور عبد الوهاب المسيري الذي نادي في نهايات حياته بأهمية وجود المكون الديني والثقافي الإسلامي في بنية التفكير العربي، وكذلك بالدكتور جمال الحمدان الذي جعل من مركزية الدين والجغرافيا مكونان اساسيان في التفكير المصري. لهذا نستطيع أن نرى الكاتب من خلال التيار التوفيقي الذي يقف بين التشدد السلفي وبين العلمانيه المنفلته أو الشاملة.

وهنا تكمن مشكلة هذا التيار الفكرى الذي يستهلك نفسه في محاولة تبرير انه مع الحداثه والمستقبل وليس معارضا للدين بل مشكلته مع التراث والموروث الذي أوجد شكلا من التدين منافي للدين ذاته. لهذا نراه يبذل مجهودا محمودا ولكنه يظل دائما متهما من طرفي الموروث والحداثة المطلقه من انه خارج الدين أو منادي بالتوفيق مع الرجعية

#النهاية

الكتاب رغم صغر حجمه إلا أن سرده شيق وممتع، وأنصح الجميع بقرآته. فهو يحمل بصمة أديب وناقد وشاعر كبير تستمتع معه بطريقته المميزة في النقد. على الرغم من القضية الشائكة التي يتناولها

سِبح سِبح سِبح



بقلم ياسر رافع 


 سِبح سِبح سِبح

مين يشتري مني سبح

معايا من كل صنف ولون

اراَك

فضه 

بلاستيك

و كمان كهرمان

معايا سبح للبيع وللفرجه

قرب وشوف وخد فكرة

معايا سبحة تعبد بيها ربك

وسبحه تقربك للوالي 

و سبحة للشهبندر الحرامي

ومعايا سبحه مولانا تلف بيها المقام

يا بلد الكل لون والملايين سارحه

بلف على كعوبي ما بعت ولا سبحه

بطلتوا تسبحوا للمولي

طيب معايا سبح للبنك الدولي

فيلم النوم في الطيبات

  بقلم ياسر رافع  من يتابع قضية الدكتور الراحل " ضياء العوضي" منذ بدايتها وحتى وفاته وإلى الآن، سيجد أننا نعيش حرفيا أحداث فيلم ...