الثلاثاء، 28 ديسمبر 2021

مانديلا العمل الخيرى

 


بقلم ياسر رافع

إن الكفاح ضد الظلم وجبروت السلطه من أجل حرية وكرامه الفقراء والتمييز العنصرى البغيض، والذى يتعرض دعاته للسجن والتشرد وترك الأحباب ، لهو العنوان العريض الذى ينضوى تحته قله من البشر تتوافر فيهم صفات لا تتوافر فى غيرهم من الإيمان برساله ساميه ، لا تعرف إلا حق الإنسان فى حياه كريمه بعيده عن الظلم والتمييز .

وقد كان الثائر مانديلا عنوانا عريضا ، لذلك المؤمن بقضيته ، والتى كافح من أجلها ، وترك حياته الشخصيه والعمليه ، وذهب يناضل من أجل شعبه الفقير ولذلك عندما تحرر من أسر جلاديه ، وجد شعبه بملايينه يفتح أذرعه لإحتضان الحلم الذى تحرر من الأسر ، وتحلقوا حوله وأوصلوه لسدة الرئاسه ، معلنيين للعالم أجمع أن من يقف مكافحا صلدا ضد الظلم ومع حلم الفقراء ، فهو ملك متوج على عرش القلوب ، قبل كرسى العرش .

ومع إحتفالنا بمرور ثمانين عاما على ميلاد رائد العمل الخيرى ، الأستاذ الدكتور /محمد الكرمانى ، أجد نفسى مضطرا للمقارنه بينه وبين مانديلا ، وإن بعدت المقاربات بينهما ، ولكن الذى يجمعهما معا ، هو الايمان بالرساله ، والتضحيه من أجلها ، فهو الذى يحمل بين طيات سيرته الذاتيه ما يعجز البعض عن تحقيقه من إنجاز علمى ، ومكانه علميه مرموقه ، لكنه يحمل قلبا ثائرا يهفو لنجدة الفقراء ، لذلك لا عجب أن تراه يترك حياة يتمناها الكثييرين فى نهايه العمر الوظيفى ، وينزل إلى العمل الخيرى معطيا أمل للفقراء فى أن هناك من يسمع صوتهم ويشاركهم ألامهم وطموحاتهم المشروعه .

لذلك تحلق حوله الفقراء وكل المخلصين وأصبح عنوانا عريضا ، وأملا جديدا للعمل الخيرى القائم على الإخلاص والتجرد ، وأصبحت بصماته الخيريه واضحه على كل عمل خيرى ، بدءا من المساجد والمدارس ومشروعات البنيه الاساسيه ، حتى أن الفقراء نصبوه على عرش قلوبهم ،

و مع ثورة 25 يناير كان فى مقدمة الصفوف لنصرة الشباب معطيا المثل فى إنكار الذات ، معلنا أن المستقبل للشباب ، ومدافعا عنهم ضد محاولات تهميشهم .

لذلك ونحن بصدد الإحتفال بعيد ميلاده الثمانين ، فإننا نتقدم له بأجمل التهانى ، والدعاء له بموفور الصحه ، معلنيين أنه مانديلا العمل الخيرى ، الذى أمن برساله مجتمعه ، مدافعا عن الفقراء ، ومناضلا مع حلم الشباب ، لذلك فهو ملك متوج على عرش قلوبنا

الجمعة، 24 ديسمبر 2021

المثلية الجنسية بين التجريم والسياسة


 



بقلم / ياسر رافع

بعد الأزمة المثارة حول تصريحات اللاعب المعتزل " محمد أبو تريكه"، والتي طالب فيها اللاعبين العرب والمسلمين الذين يلعبون في الدوري الإنجليزي لكرة القدم بأن لا يشاركوا في فعاليات المثلية الجنسيه، وطالب في الوقت نفسه قناة بي ان سبورت الرياضية القطرية بأن لا تنقل تلك الفعاليات. هنا تحولت تصريحات اللاعب الي حملة ضارية على مواقع السوشيال ميديا وانقسمت بين مؤيد ومعارض كلا بأسبابه. ولكن اللافت هو تحولها إلى مادة للسجال السياسي على خلفية إتهام اللاعب في مصر بدعم الكيانات الإرهابيه.

هنا وبعد الخلط بين الدين والسياسة والرياضة تبقى الحقائق قادرة على توضيح الأمور ووضعها في نصابها الطبيعي.:

أولا : المثلية لا تعني الشذوذ الجنسي فقط ولكن تشمل الحق في تغيير نوع الجنس من ذكر لأنثي أو العكس وكذلك حرية التشبه بالجنس الأخر في الملابس وحقوق الزواج المثلى والي حقوق أخرى طبقا لما هو معمول به في الغرب

ثانيا : مصر لا تعترف بالمثلية الجنسية وتجرمها ولكن ليس بنص قانوني صريح وإنما تدرجها تحت قانون الآداب والتي تَصل عقوبتها لسبعة عشر عاما

ثالثا : أدرج الإتحاد الأوروبي وأمريكا حقوق المثليين ضمن حقوق الإنسان وحاولوا فرضها على مصر إلا أن الحكومة المصرية زمن الرئيس مبارك رفضت ربط الحقوق ببعضها لأن مصر دولة إسلامية تحكمها الشريعة الإسلامية والكنيسة الأرثوذوكسيه واللتان ترفضان تلك الأفعال المنافية للطبيعة البشرية

رابعا : حاول الإتحاد الأوروبي وفرنسا التدخل في قضية ضبط الشرطة المصرية لقضية شذوذ جنسي على إحدى المراكب العائمة في النيل في تسعينات القرن العشرين ولكن الحكومة المصرية لم ترضخ وتم الحكم بسجن ثلاثة وعشرين وتبرئه ما لم تثبت إدانته

خامسا : ولا تختلف قطر عن مصر حيث لا تعترف بالمثلية الجنسيه ولا يوجد بها أيضا قانون خاص بها ولكن يعاقب مرتكبها بالسجن

سادسا : سن قوانين في مصر وقطر يعني الإعتراف الصريح بالمثلية الجنسية

إذا : لماذا هذة الضجه حول تصريحات اللاعب أبو تريكة؟!

الإجابة تكمن في محاولات الإتحاد الأوروبي وأمريكا المتكررة لربط حقوق الإنسان بحقوق المثليين في المنطقة العربية وضغطها في هذا الإتجاة كما حدث مع مصر في عهد مبارك ويحدث الأن مع قطر التي وافقت على رفع علم المثليين ضمن فاعليات أحداث كأس العالم لكرة القدم قطر ٢٠٢٢ والتي وجدت نفسها مرغمه على ذلك لضمان نجاح تنظيم كأس العالم. لهذا جاءت تصريحات أبو تريكة بمثابة بالون إختبار لرد فعل الإتحاد الأوروبي وإرسال رسالة ضمنيه بالرفض، إلا أن رد الفعل من قبل الصحافه الغربية كان عنيفا مما أدى إلى أن تعتذر قناة بي ان سبورت الرياضية القطرية وتصرح بأن تصريحات اللاعب تعبر عن وجهة نظرة الشخصية ولا تعبر عن سياسة القناة

بعيدا عن التجاذبات السياسية التي إستغلها البعض لتصفية الحسابات على السوشيال ميديا، أدعوا الجميع أن يفطنوا لما وراء أزمة المثلية الجنسيه ولا يحصروها في التحريم والتجريم فقط، وإنما يجب أن ينتبهوا لفعل السياسة خلال الأزمة والتي تريد به جعل دولنا العربية تعترف صراحة بحقوق المثليين وتضعها ضمن قوانين حقوق الإنسان ليس حبا ودفاعا عم المثليين ولكن نقطة ضعف يستطيعون بها الضغط على الدول العربية. وليس ادل على ذلك من ترك أمريكا للمثليين الأفغان فريسة لقوات حركة طالبان ولم يصدر بيان واحد منها لضمان سلامتهم من القتل

أفيقوا يرحمكم الله

الإقتصاد الشعبوي .. بين الحلال والحرام ودغدغة المشاعر ؟!


 


بقلم ياسر رافع

 مع بداية الألفيه وعلى بعد ثلاثون كيلو متر شمال شرق العاصمة المصرية القاهرة تقع قرية " طحانوب " وهى إحدى قرى جنوب الدلتا المصرية ، كان يسمع فيها عبر مكبرات الصوت بصفه شبه يوميه ولمدة سنوات صوت لدكتور عظام شهير إسمه " محمد الكرمانى " ، يدعو الناس بصفه مكررة مصحوبة بلهجة شعبويه تدغدغ المشاعر ، تعد الناس بجنة عرضها السماوات والأرض إذا قاموا بالتبرع لبناء المساجد . ولكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد فهو طبيب إعتزل مهنة الطب لكبرالسن بعد حياة حافله بالإنجازات فرأى أن الوقوف عند بناء المساجد فقط ليس هو المراد من العمل الخيرى ، فكان إستخدام مكبرات الصوت بالطريقه الشعبويه مرة أخرى للدعوة للمساهمة فى بناء المدارس وتلبية إحتياجات المستشفيات ، وصولا لمحاولة لم تكلل بالنجاح لبناء إقتصاد أولى للفئات الأشد فقرا .

ومع إندلاع ثورة 25 يناير ، ودخول مصر فى حالة فوضى كبيرة ، توارى " الكرمانى " خلف ستار الزمن ، ولكنه خلف وراءة إرث شعبوي حاول فيه الإقتراب من الناس من خلال الخطب الرنانه والوعد بإرث أخروي يتماهي بين الخلود فى الجنه أو الخلود فى النار ، وقدم فيه حلول بسيطه للتغلب على مصاعب مجتمعيه مثل توفير الأموال لبناء المساجد والمدارس وتوفير المستلزمات فى المستشفيات . هذا الإرث نستطيع أن نصفه " بالكرمانية الشعبوية " ، وهو نموذج بالمناسبه منتشر فى بقاع كثيرة فى مصر، ولكنه لم يستطع أن ينتج إقتصادا يخدم قطاعات من الفقراء مساعدا أو موازيا لإقتصاد الدوله .
أسدل التقدم فى السن ستائرة على تجربة " الكرمانية الشعبوية " ، ولكن الشعبوية الإقتصادية أصبحت سمة عالمية ، فهل تنجح فى إنتشال الفقراء حول العالم ؟!!
.....................................................................................
مع تصاعد أزمة الليرة ، وإرتفاع أرقام التضخم ، وهروب رؤوس الأموال من تركيا ، بفعل التدخل السياسى فى السياسة النقدية للبلاد وكذلك التداعيات الإقتصادية التى خلفتها أزمة فيروس كورونا ، هنا خرج الرئيس التركى " أردوغان " لإتهام جهات خارجية بالمضاربة على الليرة التركية ، وبطريقة شعبوية سياسية أوضح أن الشعب التركى لن يظل تحت رحمة الفوائد البنكية فى إستخدام شعبوى للدين من أجل التغطية على مأزق إقتصادى لا علاقة له بالدين ، وهنا خرجت أصوات عربيه مؤيدة لعل أهمها هو الشيخ " أحمد بن حمد الخليلى" مفتى سلطنة عمان الذى قال " إنا لنحيى الحكومة التركية المسلمة الشقيقة ممثلة فى قيادتها المسددة فى توجهها إلى تطهير إقتصادها من رجس الربا "  .    
وعلى الرغم من شعبوية مفتى السلطنه الذى إستجاب للشعبوية السياسية للرئيس التركى ، إلا أن الشعبوية لها حدود فى التعامل مع الأزمات الإقتصادية ، فتقليل سعر العملة ليس كله شر لأنه يوجد مزايا تصديرية للدوله بشرط قدرتها التصديرية العالية وهو ما لا ينطبق على الإقتصاد التركى ، لأن الإقتصاد فى جوهرة قائم على توسيع قطاع الإنشاءات والسياحة ، وهو قطاع يعتمد على القروض للتمويل وأدى التدخل الحكومى لمحاولات تخفيض سعر الفائدة إلى هروب الإستثمارات وبالتالى الضغط على الليرة التركية .
وأن السيطرة على تصاعد أرقام التضخم تمر عبر خطط إقتصادية تعرف بخطط " إستهداف التضخم " والتى ترتفع فيها أسعار الفوائد لإمتصاص الفوائض المالية لدى الشعب وإيداعها بالبنوك ، مع الشروع فى إجراءات إصلاحية حقيقية لأوجه التشوه فى الإقتصاد ، مع دفع القطاعات الإقتصادية للنمو ، عندها تستقر الأوضاع وتبدأ أسعار العملة فى الإستقرار وتبدأ الدولة فى تحفيز الإقتصاد عبر تخفيض سعر الفائدة .
لهذا لن تكون تركيا بحجم ديون يصل إلى 450 مليار دولار مهيئة للدخول إلى مرحلة الفائدة المنخفضة إلا إذا قامت بالسيطرة على تصاعد التضخم الذى وصل إلى 20% ، وهنا يستقر سعر صرف الليرة .
هنا نسأل مفتى سلطنة عمان ، هل كنت تعلم ماهو التضخم ؟ ولا ماهو سعر صرف الليرة ؟ وهل تعلم أن هناك دعوات لإنتخابات مبكرة فى تركيا العام القادم وتبكيرها عن موعدها فى العام 2023 ؟!
الشعبوية الإقتصادية التى ركزت على أرقام النمو الإقتصادى والتقليل من أهمية مخاطر أرقام التضخم أدت بتركيا إلى المأزق الإقتصادى والسياسى الحالى وليس الربا يا شيخنا .
.......................................................................................................
سياسة " صفر مشكلات " للزعماء الأتراك الجدد بقيادة " أردوغان " مكنت الدولة التركية من تحقيق نهضة إقتصادية ملموسه طبقا لسياسات البنك الدولى ، لكن مع إندلاع ثورات الربيع العربى 2011، وجدت القيادة التركية أن اللحظة باتت مناسبة لتوسيع سيطرة الدولة التركية والإستفادة من الموارد العربية ، وتخلت عن سياسة صفر مشكلات وهو ما أورثها مشكلات كبيرة مع تغير ميزان القوى ضد حلفاءها فى المنطقه ووجدت نفسها متورطه فى صراعات عسكرية فى سوريا وليبيا وأذربيجان مما أرهق إقتصادها الذى بدأ يأخذ مكانه متقدمه عالميا . وخلافات سياسية لا طائل منها .
مما رجح كفة الرجوع الى مرة أخرى لسياسة " صفر مشكلات " لمحاولة جذب إستثمارات لإنقاذ الإقتصاد التركى الذى يعانى ، وهو ما بدأ يأتى اكله حيث تعهد ولى عهد أبوظبى بعد المصالحه التركية الإماراتيه بأن يضخ 10 مليارات دولار فى الإقتصاد التركى ، بخلاف المليارات القطرية ، والباب مفتوح أمام مصالحات تركية فى المنطقة العربية للبحث عن مليارات دولارية أخرى .
هنا نسأل هل الإقتصاد يخضع للقاعدة الدينية " حلال أو حرام " ؟ أم سياسات إقتصادية وسياسية ناجحة؟!
.........................................................................................
الإقتصاد الشعبوى قادر على إحداث طفرات إقتصادية ، ودغدغة مشاعر الشعوب بشعارات براقة ، وذلك بالدعاية بأن الإقتصاد الداخلى فيه قدرات لم تستغل والمراهنه عليها ، دون الأخذ فى الإعتبار عدم توافر العملة الصعبه وهو ما يجعل طريق الإقتراض من الخارج الحل الأمثل لتنفيذ السياسات الإقتصادية . وعليه تركز السياسة الشعبوية على قطاعات بعينها للنمو ، لكنها تصطدم بمسألة توزيع الدخل داخل المجتمع والبطالة ، ولهذا عند إرتفاع أرقام التضخم والضغط على العمله تهرب رؤوس الأموال من الدوله ويصبح النظام السياسى والدولة فى مهب الريح وتزداد الإستدانه أو الخضوع لشروط البنك الدولى
...............................................................................................
تستطيع الشعبوية الإقتصادية أن تنقذ قرية فقيرة فى الريف المصرى على طريقة "الكرمانية الشعبوية " ، لكنها لن تستطيع إنقاذ دولة تعانى من أزمات وتخبط فى السياسات الإقتصادية حتى ولو تقدم صفوف الدعاة لها مفتى سلطنة عمان ووراءة كل مشايخ وعلماء الأمة الإسلامية ، ولا حتى أن يكون إمام الحرم المكى نجم إعلانات تلفزيونية للتبشير بإقتصاد جديد .
الإقتصاد لا يدار بثنائية الحلال والحرام ، سياسات الإقتصاد الشعبوى أصبحت خطرا داهما على دول المنطقة العربية كلها ، ولن تنفع معها دغدغة المشاعر والوعد بجنة أرضية مغلفة بصور ملونه لمدن وإنشاءات ضخمة ، فتوزيع الثروة داخل المجتمع أصبحت قضية ملحة مع التفاوت الطبقى الحاد ، وأرقام البطالة ، ومعاودة أرقام التضخم للإرتفاع . كل هذا سيجعل من العودة إلى نقطة الصفر أمرا عاديا ومعتادا فقد سبقتنا إلى دول أمريكا اللاتينيه قبل ذلك.
......................................................................
هل تستطيع تركيا والدول العربية إنتهاج خطا آخرغير الإقتصاد الشعبوى ، قبل الإنهيار الكبير بعيدا عن دغدغة مشاعر الجماهير سياسا ودينيا ؟ الله أعلم .

أعلى التله

 




بقلم ياسر رافع

 فى ليلة مظلمه تكسوها البرودة القارصه وزخات المطر المتلاحقه على الطرقات ، يمشى وحيدا مهموما مطأطأ الرأس يمسك بين يديه سيجارة شارفت نيرانها على أن تمس أصابع يديه ، غيرعابئ بقطرات المطر ولا الأرض المبتله التى تحولت إلى طينيه موحله ، شارد فى أفكاره المتسارعه والمتداخله ، يكافح إحساسه بالكآبه والحزن ، يسرع الخطى ليخرج من حيز البيوت والمبانى والتى يراها شهود لمقابر أموات أحياء ، وكأنه يهرب من قدرا ما إلى المجهول .

على مشارف مدينته الريفيه الصغيرة وعلى تله عاليه تشرف عليها ، جلس فى مكان يعرفه جيدا فهو قد إعتاد أن يجلس فيه كلما ضاقت نفسه وأشتاقت روحه إلى أن ينفرد بنفسه بعيدا عن الناس ـ يحلق بأفكاره وتأملاته بعيدا ولا تحدوا أحلامه حدودا مانعه ولا أفكار قديمه صدئه . ولكنه اليوم لم يكن ذاك الشاب المفعم بالحيويه والأحلام والطموحات الكبيرة ، فقد ظهرت على قسمات وجهه تجاعيد اليأس والعيون الزائغه وآثار التدخين الكثيف تظهرعلى ثنايا أسنانه ، وبدأ وكأن كهلا قد خلع عن نفسه رداء الشباب من فوره .
فى هذة الأثناء توقفت زخات المطر وأنقشع السحاب وظهرت النجوم تتلألأ فى السماء ، يتوسطها قمر مكتمل بدد بنور كآبة الظلمه  ومدد جسده على الأرض مستندا على صخرة ليريح جسده المتعب . ثم أخرج من بين طيات ملابسه علبة سجائرة الرخيصه وعلبة الثقاب ، ثم وضع سيجارة بين شفتيه المرتعشتين من آثر برودة الجو ، وبينما يشعل عود الثقاب وعلى نورلهب الكبريت وجد أمامه فجأة شخصا واقفا أمامه ، فخاف ورمى عود الثقاب المشتعل والذى إنطفأ سريعا ، ثم حاول أن يهرب من أثر الصدمه ، ليس لأنه إنسان خائف أو جبان ولكنه وجد فى هذا الشخص وكأنه ينظر فى المرآة ، أترى أيكون إنسانا أم شبحا ؟ فليس التشابه يصل إلى هذا الحد ؟.
لم يتحرك بعيدا حتى ناداه هذا الشخص بإسمه " على " فتسمرت قدماه فى الأرض وأصبح غير قادر أن يتحرك ، وناداه مرة أخرى أن إلتفت وأرجع وأجلس فى مكانك فلست شبحا ، هنا إطمأن  " على" وألتفت ببطء ثم رجع إلى مكانه وجلس بجوارهذا الشخص الذى لا يعرفه ، وساد صمت لدقائق أعقبه أن قام هذا الشخص بإخراج بعض الخشب الجاف من بين طيات ملابسه ووضعه بينه وبين "على" على الأرض ثم قام بإشعاله ، وما أن زادت حدة النيران وزادت أنوارها ، حتى بدأت ملامح هذا الشخص تكون واضحه تماما .
يالهول إنه أنا ؟! هكذا صرخ "على" من داخله الذى ينتفض خوفا وهلعا ، ولكنه لا يستطيع الحركه أو الكلام ولا يدرى لذلك سببا ، ولكن هذا الشخص لم يتركه لخوفه وهلعه ، وضحك ضحكه خفيفه ....
الشخص : لا تخف منى ، فأنا أنت !!
ومع تلك الكلمات  أحس " على" ببعض الطمأنينه التى أدخلته فى حيرة أكبر ، ولكنه مازال لا يستطيع الكلام ولا الحركه وكأنه مشلول بالكامل ، لكن عقله يشتعل بالأسئله التى يريد طرحها ..
الشخص : أعلم ما يدور فى عقلك ، تريد إجابه لما تراه أمامك

هنا خرج صوت من داخل "على" يخبرة بأنه فعلا يريد ذلك ، لكن هذا الصوت لم يخرج من فمه المغلق رعبا ، ولكنه هو صوته
الشخص : ماذا تريد أن تعرف بالضبط ؟!
الصوت : أريد أن أعرف من أنت ؟ وكيف تشبهنى إلى هذا الحد المخيف ؟
الشخص : أنا أنت ؟! نصفك الذى تخاف أن تقابله
الصوت : إنك شبحا بالتأكيد
الشخص : وهل الأشباح تشعل الأنوار
الصوت مرتعشا : فكيف إذا تشبهنى ولماذا جسدى مشلولا ؟
الشخص ضاحكا : لا زلت فى صدمتك ، ولكنى سأخبرك بما تريد !! أنا نصفك الذى تحاول قتله وراء أسئله لا طائل منها ، وأفعال تميت الجسد والروح ، تبحث فى وجوه الناس عن أجوبه ولا تجد ، أنا صمتك أنا صوتك أنا حركاتك أنا سكناتك . أن روحك المتقدة المختبأة فى جسد يتهالك وراء صوتك المرتعش
الصوت : أفهم من ذلك أنك أنا وجئت تحاكمنى
الشخص : لا يمكن للإنسان أن يحاكم نفسه حتى ولو كان عادلا
الصوت : فلماذا جئت أصلا
الشخص : جئت ألملم شتات الجسد والروح ، ما الذى أراه أمامى ، كومه من بقايا إنسان متعب ، مثقل بالهموم وهوعلى مشارف الحياة
الصوت : تلك حياتى وأنا حر فيها ! وإذا كنت شبحا وأراك كذلك  ، فأنصرف !
الشخص : لا زال صوتك خائفا جبانا ! تخشى المواجهه ! تريد أن تتقوقع على نفسك ! تهفو نفسك إلى طرح الأسئله وتخشى الإجابات ! تريد تمردا وتخشى عواقبه ! ووووووووووو
الصوت متحديا : ممكن أن يحمل كلامك بعضا من الحقيقه ولكنها ليست كل الحقيقه ، فأنا أحلم وسط مجتمع خائف من الغد يكره الحركه  ويعشق السكون ، أريد أن يسمعنى الناس ، أريد أن أكون مسموعا ، ليس ما أفعله أو أطلبه بكثير
الشخص : أراك قد بدأت تتخلص من خوفك ! تلك أزمتك " الخوف " ، تخلص منه وعندها ستتغير الحياة تماما أمامك ..

فى تلك الأثناء بدأت النيران المشتعله تخبوا شيئا فشيئا ، وبدأت صورة ذلك الشخص تتلاشى مع خفوت النيران ، وبدأ جسد " على" يتحرك وقام واقفا وهو يتكلم بصوتا عالى " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، أكيد أنا كنت بحلم " . ولكنه توقف وصمت ونظر للسماء التى بدأت تتلبد بالغيوم مرة أخرى وبدأ إنحسار ضوء القمر وبدأت تتساقط قطرات من المطر ، وتكلم وكأنه يحادث شخصا ما " لن أخاف بعد اليوم ، سأكون كما أريد ، سأبحث عن إجاباتى ، وسأظل أحلم وأحلم بالغد ، لن أستسلم لمجتمع يريدنى كما هو ..."
" يا من كنت تحادثنى ، إنطلق صوتى ، مات خوفى "
ثم نزل مسرعا من أعلى التله وكأنه ولد من جديد ، مخترقا الشوارع بسرعه رغم طرقاتها الموحله ، وأضواء خافته تخرج من بعض البيوت ، حتى وصل إلى الميدان الرئيسى فوجده مظلما خاليا من الناس ، فتسلق أحد الأعمدة لكى ينيرالمصباح المعلق فى الأعلى ، لينيرللناس فى هذه الليلة المظلمه الماطره .
وفجأة جاءه صوتا من أسفل " إنزل يا لص يا إبن اللصوص " .. فنظر للأسفل وقال " لست لصا أنا أريد أن أنير المصباح حتى يسترشد الناس بنوره فى هذه الظلمه " .
وبين شدا وجذب إستمر "على" فى عمله بالأعلى ، وزادت ثورة الرجل فى الأسفل ، لحظات وأضاء المصباح وبدأ فى النزول وما أن وصل إلى الأرض حتى لاحظ أن أعمدة الميدان قد أنارت فجأة وذهل عندما شاهد زملاء له ينزلون تباعا من على تلك الأعمدة ، وبحث عن الصوت الذى كان يصفه باللصوصيه فلم يجده وكأنه تبخر،
فنادى أحد زملاءه عن سبب مجيئهم وتسلقهم أعمدة الإنارة ، فقال له بأنهم كانوا يتسامرون بجانب التله ، حتى سمعنا صوتك تنادى على شخص لا نراه ، ثم رأيناك تجرى ناحية البيوت ، فجرينا وراءك لنتبين خبرك ، فوجدناك تتسلق عمود الإناره غير خائف من الصعق الكهربائى ولا الظلمه المحيطه بالمكان ولا صوت وشجار حارس الميدان معك ، فتشجعنا وزال الخوف منا وبدأنا نتسلق باقى الأعمدة ونفعل ما تفعله.
ومع نهاية الحديث خيل إليه أن كل زملاؤه على نفس شكله وكأنه ينظر فى المرآة ، فرجع للوراء وراح يفرك عينيه لعله حلما آخر ، ولكنه وجد أحد زملاءه يقترب من أذنيه " ليس حلما . أنا أنت هم .. أضئنا الميدان عندما تخلصنا من الخوف أعلى التله "
وتفرقوا على وعد بتنظيف الميدان غدا .

كمال وجوده (15)




بقلم / ياسر رافع

بعد اتصالات كثيرة من خلال الموبايل باءت جميعها بالفشل حاول من خلالها " جودة " الإطمئنان علي "كمال" الذي لم يراه منذ أيام . وبينما يمشي في اتجاه المقهي ، وجد محل طيور وحيوانات أليفه قد فتح أبوابه ، ولاحظ أن أحد أقفاص الحيوانات تحتوي علي قرد "نسناس" وحوله مجموعه من الأطفال يقذفون إليه لب وسوداني فرحين بمنظر القرد ، هنا وقف "جودة" يتفرج للحظات ثم مضي .

عندما وصل المقهي أخذ يلتفت يمينا ويسارا محاولا البحث عن "كمال" ولكن عبثا ، هنا أشار لصبي المقهي وسأله عن " الأستاذ كمال" ، فأخبره الصبي عن أن الأستاذ كمال " قاعد لوحده من بدرى في آخر القهوة " . فذهب جوده حيث أشار صبي المقهي ، وحين وصل

جودة : السلام عليكم ورحمة الله

كمال : وعليكم السلام ، انت وصلت

جودة : مالك قاعد لوحدك كدا ليه

كمال: مضايق شويه ، ومش عاوز أقعد مع حد ، وحتي قايل للقهوجي ميقولش اني انا هنا

جودة : هههههههههه خير يا عم الكئيب

كمال: مش ناقصه هزار أمك النهاردة ، سيبني في حالي

جودة : الموضوع شكله كبير ، خير يا كمال طمني فيه حاجه حصلت لك

كمال : لا مفيش حاجه بس نفسي أقعد لوحدى زي زمان ،

جودة : سيبك من الجو دا ، أنا عارفك هتقلبها غم وأنا مش ناقص ، شوفت النسناس اللي علي باب المحل اللي جنب القهوة

كمال : شوفته ميتخيرش عنك يا جودة

جودة : هههههههههه مش انت ابن صرمه، وعاملي فيها عم المكتئب

هنا وصل صبي المقهي حاملا صينيه عليها كوبين من الشاي ووضعها علي المنضده ، وبينما يلتفت للذهاب

جودة : إلا قولي يا برنس هوا انت جايب الشاي من غير سكر ولا معلقه ليه

صبي القهوة : ايه يا باشا انا حافظ سكرك وظابطهولك فهتحتاج السكريه ليه

جودة : هوا انتوا ليغتوا الأوبشن بتاع السكريه والمعلقه خلاص

هههههههههه ضحكات بصوت عالي من كمال وجودة ، ومضى صبي المقهي مستغربا من الضحكات

كمال : مش انا قلتلك انك متتخيرش عن النسناس

جودة : اتلم يا كمال ، هوا انت شايف بيترمي ليا لب وسوداني

كمال : هههههههههه وايه الفرق بين رمي اللب والسوداني والقهوجي لما يجيب لك كوباية الشاي من غير سكر ولا معلقه ولا ازازة ميه

جودة : هههههههههه كمال انت كدا هتسخني عليه وأنا عفاريت الدنيا بتتنطط في وشي

كمال : اهدي خلاص ، انا مش ناقص دوشه، بس قولي صحيح مش انت كنت عاوز تشتري قرد زمان

جودة : انت لسه فاكر ، دا كان لما زرنا جنينة الحيوانات واحنا فى الإعدادية

كمال : هههههههههه طيب فاكر لما انت قلت للأستاذ هما حابسين القرود ( النسانيس) في أقفاص ليه ، فقالك علشان يحافظوا علي سلالتك

جودة : هههههههههه الله يرحمه بقي ، بس انا كنت مبسوط لما كنت برمي السوداني للقرد وبحس انه فرحان مع انه محبوس ومش حر

كمال : مين قالك انه مش حر ......

جودة : مش فاهم

كمال : انت شايفه مش حر ، لكن لو خرج من القفص فجأه وأختلط بالناس الغرباء عنه هيصاب بالذعر والناس اللي كانت فرحانه وهوا داخل القفص هتبتدي تخاف منه وهتبتدي تهاجمه وتضربه وكمان يتحدوا علشان يمسكوه ويرجعوه القفص تاني ، دا اذا مامتش....

جودة : انت هتجنن أمي ، ما دا طبيعي بالنسبه للقرد، يعني عاوزه يعض الناس

كمال : هههههههههه عرفت انك مش عاوزه حر ، انت عاوز نسناس تلعب بيه

جودة : انت فكرتني بمقوله ل_" ناجي العلي " كان بيقول فيها " يا وطني ، كل العصافير لها منازل ، إلا العصافير التي تحترف الحرية ، فهي تموت خارج الأوطان "

كمال : يا ابن اللعيبه يا جوده جبتها منين دي ،

جودة : هوا إنت فاكرني قاعد بعربيه تين وماسك صفيحة ميه في ايدى ، انا بقرا بردوا زيك

كمال : هههههههههه ماشي يا عم الكوز ، عرفت بقي إن الحريه يعني وطن ساكنيه بتعريفهم هم

جودة : يعني دا ينطبق علي اللي ساكنين فى الكومباوندات

كمال : هههههههههه قصدك جمهوريات ما وراء الأسوار ، أكيد ينطبق عليهم ، فهم لهم فهم للحريه مختلف عن شعب خارج الأسوار

جودة : حاسب يا عم ايه شعب خارج الأسوار دي

كمال : انت زعلت كدا ليه ، هوا انت تقدر تعدي السور

جودة : هههههههههه تصدق انك ابن " ...... "

كمال : انت اخرك تنادي وتقول " الحرية للنسناس " ، لكن لو خرج هيطلع روح أمك

هههههههههه ضحكات متبادلة، ثم وقفا سويا وطلبا من صبي المقهي حساب المشاريب ، وبينما يهمان بالرحيل

جودة : نفسي يا كمال أسكن في كمباوند وحراسه وسور وكلاب وعربيه يااااااااااه

كمال : هههههههههه ما دا نفس تفكير النسناس جوه القفص

جودة : بس انا مش جوه الكومباوند

كمال : هههههههههه ازاي دا انت في القفص الكبير

تمت


طالبان .. جند الله بعد التعديل




بقلم / ياسر رافع

إن دخول طالبان للعاصمة كابول يعتبرالدخول الثانى لها للعاصمة وذلك عقب إنتصارها على القبائل والفصائل والمجاهدين العرب الذين إنتصروا على قوات الإتحاد السوفيتى والذين نفذوا الإقتحام الأشهر للعاصمه وأعدموا فيه الرئيس الموالى للسوفيت " بابراك كارمال " على قارعة الطريق وسط دماء كثيرة مراقه فى الشوارع ، وهو مالم يختلف عن الدخول الثانى كثيرا لطالبان الذين أراقوا كثيرا من الدماء ، لكن مشهد دخول العاصمة عقب الخروج الأمريكى يختلف ، فلم نشهد إراقه دماء بل دخول سلس بدون طلقات رصاص وسط ترحيب من قطاعات من الشعب الأفغانى ، وتسليم قوات الجيش الأفغانى لنفسها طواعية لقوات طالبان ، كل هذا يتواضع أمام مشهد دخول قادة طالبان للقصر الرئاسى وبالتحديد قاعة الإجتماعات حيث تراص جنود طالبان بأسلحتهم الخفيفه خلف القائد الطالبانى الذى بدأ يخاطب العالم من خلال قناة واحدة فضائية وهى قناة الجزيرة القطرية ، فى إشارات لا تخطأها العين ، حيث أن قطر هى الراعية لمحادثات السلام بين أمريكا وحركة طالبان ، وأن المجتمعين فى الدوحه يريدون أن يروا مشهدا يجعل من الإنسحاب الأمريكى ودخول طالبان للعاصمة مقدمه لسلوك طالبان فى التعامل مع العالم فيما بعد ، وهذا ما أفرزته بإحترافيه عالية جودة الصورة ، حيث تراص جنود طالبان بأسلحتهم الخفيفه خلف قائدهم الجالس ليوحى بأنهم الفصيل الوحيد القادر على حكم افغانستان ، وقد كانت بداية الحديث يسبقها تلاوة آيات من القرآن الكريم تؤكد على نصر المؤمنين وهو ما يؤكد على ما تريدة طالبان من تكوين إمارة إسلاميه ، بدا واضحا أننا أمام تنظيم مختلف هذة المره فلم يعد جنود طالبان هم الشعث الغبر الذين يوحون بأنهم قادمون من آضابيرالتاريخ ، فهم مهندمون فى لباس المحلى ، والأكثر من ذلك التأكيد على الهويه القبليه من خلال الزى المميز لكل فصيل ، وهكذا نستطيع أن نفهم المشهد بعيدا عن الصخب بأنه عملية تسليم وتسلم بلد جرت وقائعها تلفزيونيا وعلى الهواء مباشرة أمام العالم أجمع .
ما الذى حدث لحركة طالبان حتى تتغير وتكون أقل شراسة وحده ، بل وتقبل بتسلم العاصمة دون قتال بل وتحرص علي عدم إطلاق الرصاص ، بل وتتفاوض حول ذلك مع المحتل الأمريكى الذى ألحق بها الهزيمة الكبرى منذ أكثر من عشرين عاما !!
ما الذى حدث " لجند الله " كما وصفهم الكاتب المصرى الكبير " فهمى هويدى " ؟! هل يكون ذلك مقدمه لترتيبات إقليميه ودوليه ؟!
.....................................................................................
أفغانستان دوله حبيسه جغرافيا وفقيرة الموارد ، ناهيك عن حروب داخليه مستمرة منذ أكثر من أربعين عاما ، ولكن مع صعود طالبان مرة آخرى وسط التغييرات العالمية الجديدة ، سيصبح موقع آفغانستان عاملا مرجحا أو حاسما فى التوازن العالمى والإقليمى ، حيث يقلق هذا الصعود دول الجوار ، وخاصة الكبار مثل الصين وروسيا ، حيث تنظر الصين بعين القلق لما يجرى حيث أنها ترى فى صعود طالبان مصدر قلق خوفا من تأثير ذلك على مسلمى الإيجور الذين يحلمون بالإستقلال عن الصين ، ويعد صعود طالبان مصدر إلهام لهم يدعمه إتفاق مبهم بين طالبان وأمريكا لا يعرف عنه أى شئ حتى الأن ، ولكن الصين تشعر ببعض الإطمئنان لوجود حليفتها باكستان فى المشهد الفغانى وتتمتع بنفوذ واضح لدى طالبان مما قد يجعل من فتح قنوات بين الصين وطالبان آمرا ميسورا وسلسا .
أما روسيا فهى التى تعتبر أشد المتخوفين من عودة طالبان للحكم ، لأن الجوار الملاصق لأفغانستان مع جمهوريات طاجكستان وأوزبكستان وتركمنستان ، يعد جوار حرج لمنطقة تعتبر " البطن الرخوه " للسياسة الروسيه ، حيث التنوع العرقى المشترك والدين المشترك والعداء المشترك لروسيا ، وهذا يهدد التمدد الروسى سياسيا وعسكريا ، ناهيك عن أن ذلك يقوى الدور التركى فى مقابل الدور الروسى ويجعل من التمدد العسكرى الروسى فى منطقة الشرق الأوسط محل شك مستقبلا ، إنتظارا لما تسفر عنه الإوضاع فى أفغانستان .
ويختلف موقف دول الجوار الإقليمى مثل باكستان وإيران وتركيا من صعود طالبان ، حيث ترى باكستان وتركيا أن صعود طالبان سيقوى مواقفهما الإستراتيجيه تجاه أعدائهما ، حيث أن صعود طالبان يقوى التحالف الصينى الباكستانى فى مواجهة الهند ويجعل من أزمة " كشمير " جرحا داميا بإستمرار يذكر الهند بطبيعة الحركات الجهادية فيها ، أما تركيا فترى فى صعود طالبان فرصة تاريخيه لتقوية نفوذها فى منطقة القوقاز ويحد من تمدد النفوذ الروسى المنافس لها فى تلك المنطقه  . أما الخاسر الأكبر فى ظنى فهى إيران التى أعطاها التورط الأمريكى فى أفغانستان وظهور داعش فرصه تاريخيه للتمدد الإستراتيجى فى الشرق الأوسط ولكن صعود طالبان السنية حتما سيعطل بل سيعمل على إنكماش ذلك الدور إذا حدث صدام لن تمنعه تصريحات قادة طالبان عن التسامح بين مكونات الشعب الأفغانى ومنهم الهزارة الشيعه
هنا يبدوا أن " جند الله " أمامهم أوضاع إستراتيجيه جديدة يجب أن يكونوا متفهمين لطبيعتها بل وعليهم أيضا أن يحددوا أولوياتهم ومع من سيتعاملون ، لأنهم ببساطه أصبحوا مجبرين على لعب دور فى ترتيبات الأمن فى منطقة متشابكه ستؤثر حتما على الأوضاع فى الشرق الأوسط والعالم ..
...............................................................................
إن إسترتيجية أمريكا للقرن الواحد والعشرين ، والتى تقضى بإعادة إنتشار قواتها فى منطقة المحيط الهادى وافريقيا وبالتالى تخفيض أو سحب معظم القوة العسكرية من منطقة الشرق الأوسط ، ذلك أغرى قوى إقليميه ودوليه لمحاولة ملئ الفراغ الذى سينشئ عن ذلك ، مثل إيران وروسيا والصين وتركيا ، ولكن ظهور طالبان سيكون بمثابة مغناطيس قوى يشد الصين وروسيا وايران بعيدا عن ترتيبات الأمن الشرق الأوسط أو على الأقل سيهددهم بإستمرار ، وعليه تصبح طالبان والحركات الإسلامية الجهادية فى منطقة الساحل والصحراء فى أفريقيا قطبى مغناطيس إسلامى قوى يعاد إستخدامه مرة أخرى ضد التمدد الصينى والروسى وفى المقابل يعمل على إمتصاص فائض القوة الجهادية من منطقة الشرق الأوسط ، والذى سيترك لشركاء التحالف الأمريكى العربى التركى مهمة حفظ الأمن فيه بجانب إسرائيل .
....................................................................................
فى كتابة الصادر عام 2001 إبان حكم فترة طالبان الأولى ظهر كتاب للكاتب المصرى " فهمى هويدى " بعد رحلة قصيرة لأفغانستان على خلفية الوفد الذى ذهب لأفغانستان لثني طالبان عن هدم تمثال بوذا ، وصف الكاتب أنصار الحركه بـ " بجند الله " المؤمنون المتشددون الحالمون السنيون ، ووصفهم بأنهم أزهقوا الباطل ولكنهم لم يحقوا الحق ، وأنهم عندما أنهوا حربا أهليه ولكنهم لم يبنوا شيئا ذا قيمة يشرف بها الإسلام والمسلمين .
وبعد عشرين عاما عادت طالبان مرة أخرى للحكم ، ولكن تحت وقع كلمات أخرى مثل التسامح العرقى والدينى وبناء الدوله ، فهل حدث تغيير " لجند الله " أم هو تعديل تكتيكى للحيلولة دون التدخل الدولى مرة أخرى فى الشأن الأفغانى ؟ أم تعديل إستراتيجى يمهد لمرحلة جديدة للعب دور فى ترتيبات الأمن فى العالم لصالح أحد القوى العالمية ؟!
.....................................................
حتى يثبت " جند الله " من طالبان أنهم تغيروا أو حدث لهم تعديلات جوهرية فى التفكير ، فلن يبقى أمام العالم إلا الإنتظار لشهور وربما لسنوات حتى تتضح سيناريوهات ما بعد سقوط كابول فى يد طالبان

كمال وجوده (14)




بقلم / ياسر رافع

فى جو صيفى خانق يجمع بين الحراة الشديدة والرطوبه العاليه ، إتفق " كمال " و "جودة " على اللقاء تلفونيا بعد مكاملة قصيرة بدا عليها الإمتعاض الشديد من طبيعة الجو الخانقه وأهمية الخروج من البيت لإستنشاق الهواء النقى .
على إحدى الكراسى بالمقهى جلس " كمال " ينتظر وصول " جودة " ، مرتديا جلبابا فضفاضا ، ولكنه لم ينتظر طويلا حتى ظهر " جودة " الذى ألقى التحيه ثم جلس ...
كمال : حمد لله على سلامتك يا حاج جودة
جودة : الله يسلمك يا حبيبى ، ربنا يبارك فى أمك ..
كمال : هههههههه ليه بس كدا ، هوا أنا شتمتك
جودة : هههههههههه مش أنا لسه مكلمك من شويه فى الموبايل ، يعني شايفنى كنت مسافر
كمال : لا لا إنت شاكلك زعلان من حاجه ؟!
جودة : لا مفيش ، الجو نار يا يا كمال ، الواحد جايب مايه من كل حته ، الحرارة والرطوبه ملهومش حل
كمال : على رأيك ، دا أنا عايم فى ميه مع إنى لابس الجلابيه ، والمايه ماشيه تحت الجلابيه براحتها
جودة : ههههههههههه إرحم أمى بقى من سيرة العرق والتلزيق دى ..

هنا يظهر صبى المقهى ، ويبدأ فى الإستفسار عن نوعية المشاريب ،

صبى القهوة : تشرب إيه يا عم " كمال " إنت وعم " جودة " ...
كمال : هههههههههه عم كمال
جودة : هههههه  إنت ياد بتعاملنا زى ما يكون إحنا بنيع تين على عربيه يد كدا ليه ؟!
صبى القهوة : هههههههه متأخذونيش إنتوا حبايبيى من زمان ...
كمال : إلا قولى هوا إنتوا مش جايبين مراوح ليه ، الجو ولعه
صبقى القهوة : بكرة يا باشا المراوح جاية والدنيا هتبقى زبادى فى الخلاط

هههههههههه ضحكات متبادله ، إنتهت بأن رحل صبى المقهى ليحضر المشروبات .. وبدأ كمال يحرك جلبابه الفضفاض بقوة فى محاولة لتلطيف جسمة بالهواء ، وفجأة بدأ بإزاحته عاليا طلبا لمزيد من التهويه ، فظهر الشورت من تحت الجلباب ....
جودة : إيه با كمال اللى بتعمله دا ..
كمال : إيه بطرى على جسمي من الولعه والرطوبه دى ..
جودة : بس ميصحش الشورت يبان من تحت الجلابيه
كمال : هوا سيادتك معترض على الشورت ولا معترض على إنه تحت الجلابيه
جودة : لا بس المفروض الإنسان المحترم ميظهرش العورة ، وكمان ميلبسش شورت فى الشارع
كمال : ههههههههههه لا لا كدا وسعت أوى ، إنت بقالك كام يوم غطسان ومش عارف لأمك طريق ، ويوم ما تظهر تتكلم فى العورة ، إيه الحكايه ...
جودة : هههههههه بس خدت بالك من موضوع العورة دا ؟!
كمال : آه أخدت ياعم الشيخ ، بس دى مش سكتك خالص ..
جودة : شيخ إيه بس ، دا أنا كنت مشترك فى حملة " غطى فخادك "
كمال : ههههههههههههههههههه غطى إيه يا إبن الجزمه
جودة : هههههههههههه وطى صوتك هتفضحنا ، أبوس راس أمك
كمال : حاضر بس تقولى الحقيقه ، أحسن أفضحك

هنا ظهر صبى القهوة مرة آخرى ، يحمل المشروبات وبدأ فى وضعها على المنضدة ، ثم مضى ، ولكن " جودة " طلب من زجاجة إضافية من الماء المثلج ....

كمال : يلا يا سى جودة ، قولى إيه حكاية فخادك دى إيه ؟!
جودة : أنا هقولك بس أوعى تسيح وتفضحنى ، حاكم أنا عارفك ...
كمال : هههههههههههه عيب يا أبو الجود ، إحكى بقى
جودة : الحكاية وما فيها إن واحد معايا فى الشغل قالى تيجى معانا ، إحنا بنعمل حملة لتوعية الشباب بأهمية الإلتزام بالإخلاق ، وأول حاجة هنعملها نقولهم بلاش يمشوا بالشورت فى الشارع علشان فتنة البنات ...
كمال : ههههههه كمل يا عم الشيخ
جودة : إتلم يا كمال ، المهم قولتلوا واحنا هنمشى في الشارع نعمل كدا ولا إيه النظام ، فقالى لا إحنا هنبدأ الحمله على الفيس بوك الأول وبعدين نشوف الناس هتتفاعل معاها إزاى ، وهنختار لها إسم " غطى فخادك " كإسم روش يناسب الشباب والناس متقولش علينا متشددين
كمال : هههههههههههه دا العمليه وسعت أوى ، كمل يا منيل على عينك
جودة : المهم أنا قلت أجود معاه ، فقلت ليه ميبقاش إسمها " غطى فخدك " علشان تبقى موجهه للشباب فقط ، وعلشان محدش يتهمنا بالتطرف لو قلنا " فخادك " فيقولوا دول يقصدوا البنات والستات ..
كمال : ههههههههههه الله وأكبر يا شيخ جودة ،
جودة : أصبر يا زفت ، وبعدين الحملة بدأت والدنيا زاطت ، بس فى يوم وأنا راكب المترو لقيت مجموعه من الشباب لابسين شورتات ، فقلت ياد يا كمال ما أجرب اقولهم موضوع الفخاد دا ..
كمال : ههههههههههههههههه أوعى يكون حصل معاك اللى فى جاى فى بالى ...
جودة : ههههههههههههههه بالظبط زى ما إنت متخيل ، العيال روقونى ، اللى يقولى " وهوا إنت لابس شورت ولا ملط " والتانى " وإنت فخادك حلوة زي وشك ولا العكس " ، والتالت " ما تنزل البنطلون وورينا العورة " .......
كمال : يخربيت أمك ، دا إنت إتعمل عليك حفله ..
جودة : دا طبعا غير التريقه والضحك من الركاب ، لحد ما واحد من الركاب شكله محترم قالى تعالى يا استاذ أقعد جنبى ، وبدأ يسكت فى الناس بصوت عالى ويذكرهم بمكارم الأخلاق ، وما أن سكت الجميع إحتراما لكلمه ، حتى جلس ووجه كلامه ناحيتى " وإنت بروح أمك ملقتش غير الفخاد وعاوز تغطيها وهتجيب لنا الكلام والناس تتريق وتكره النصيحه ، يا إبنى الناس محتاجه اللى يحسها على الفضيله مش اللى يتعمد يحاسبها ويحسسها إنها غلطانه " ..
كمال : الراجل دا جامد آخر حاجه ..
جودة : الله يباركله أنقذنى من موقف مالوش حل

فى هذة اللحظه ظهر رجل يلبس شورتا وتيشيرت ، فغمز " كمال " لـ " جودة " بعينيه ، فضحك " جودة " وقال حرام وتوبه ، إنشاله يمشى ملط

كمال : طيب يلا نقوم نروح الوقت إتأخر
جودة : يلا أنا كمان مش مرتاح فى القعدة النهاردة ، الجو مش لطيف

نادى " كمال " على صبى القهوة الذى جاء مسرعا وكان يرتدى شورتا ، وبينما يدفع له الحساب
كمال : إنت ياد ماشى بالشورت كدا ليه
صبى القهوة : وهوا الشورت حرام
كمال : مش حكاية حرام ، بس المفروض تغطى فخادك
جودة : ههههههههههههههههه آه يا كمال يا ابن الجزمه ، إنت ناوى تفضحنا
صبى القهوة : يا باشا وهوا أنا ماشى وسط حريم ، واللى مش عاجبة يدارى وشه
كمال : طيب لو عمك  " جودة " جابلك شوية صور تعلقها على الحيطان القهوة ، مكتوب عليها حملة " غطى فخدك " ترضى تعلقها ..
صبى القهوة : لا طبعا مش هرضى الناس هتقول كلام وحش على القهوة ، (...) هيا وصلت للفخاد

ههههههههه هنا تعالت ضحكات " كمال " و " جودة " وتأبطا بعضهما البعض ، وكمال يمشى رافعا طرف جلبابه عاليا مظهرا الشورت ، ويقول لــ " جودة " لو نطقت كلمه تانى على الشورت هفضح أمك .

تونس .. محاوله لفهم ما حدث



 

بقلم / ياسر رافع

بعد قرارات الرئيس التونسى " قيس سعيد " والتى جمد فيها أعمال البرلمان وتوليه السلطه التنفيذية منفردا بمساعدة رئيس وزراء يختاره هو ، وكذلك التغييرات الكبيرة التى طالت مناصب رفيعه فى هرم السلطه التونسيه مثل إقالة وزير الدفاع ، كل هذا مغلف بإنقسام سياسى لافت للنظر ، ففريق يرى ما حدث إنقلابا على الشرعيه الثورية ، وفريق يرى أن ما حدث تصحيحا لأخطاء ما بعد الثورة ، وفريق يرى انه كان ولا زال بالإمكان تلافى أخطاء الماضى وتصحيح ما حدث برجوع الرئيس " قيس سعيد " عن قراراته الإستثنائيه وفتح حوار بين الفرقاء السياسيين منعا لإنزلاق تونس نحو هاوية الحكم المستبد مرة أخرى .
وفى محاولة لفهم ما حدث تسرع الغالبية العظمى من المتابعين وحكموا على المشهد التونسي ووصفوا ما حدث بأنه " إنقلاب " بفهم تقليدى ، وهو فى ظنى توصيف لم يجانبه الصواب بشكل كبير ، حيث تمثل الإنقلابات فى المفهوم الشعبى نوع من إستخدام القوة الخشنه فى التعامل مع ترتيبات الحكم وهرم السلطه ، ولكن ما حدث فى تونس يمثل ما يعرف " بإنقلاب القصر " حيث تجرى ترتيبات قمة السلطه بطريقه هادئة نسبيا بعيدا عن صخب أصوات الرصاص وتبقى فى الأعم الأغلب مدعومة  شعبيا .
وإنقلاب القصر هو الأسلوب المتبع فى تونس منذ نهاية عهد الرئيس المؤسس للجمهورية " الحبيب بورقيبه " وحتى الأن ، وكذلك طريقة تعاطى الشارع التونسي مع ذلك الإنقلاب متشابهه كما فى حالة سابقة
وعادة ما يكون إنقلاب القصر شرعيا ومتوافق مع الدستور ، وسرعان ما يكتسب شرعية شعبية ومؤسسية عندما يلقى قبولا شعبيا وتأييدا من المؤسسات الأمنيه والجيش
ولكن كيف يكون إنقلاب القصر شرعيا ؟!!
................................................................................
فى يناير 1984 قامت مظاهرات عارمه فى تونس عرفت " بإنتفاضة الخبز " ، والتى كانت بمثابة المسمار الأخير فى نعش فترة حكم الرئيس " الحبيب بورقيبه " الذى أصبح شيخا كبيرا هرما ، وأصبحت تصرفاتة غير مستساغة من الشارع السياسى التونسى ، وعلى الرغم من التراجع عن القرارات الإقتصاديه والتى أوقفت إنتفاضة الخبز ، إلا أن توابعها هى التى حددت شكل وطبيعة الحكم فى تونس لسنوات طويلة ، حيث تم إستدعاء " زين العابدين بن على " من وارسو _ عاصمة بولندا حيث يعمل _ ليشغل منصب مدير عام الأمن الوطنى لضبط الشارع الثائر ، والذى تحول إلى الرجل الثاني فى البلاد وشغل منصب رئيس الوزراء حتى قام بعد ثلاث سنوات فقط فى نوفمبر من العام 1987 بأول إنقلاب قصر فى تاريخ الجمهورية التونسية ، حيث قام " زين العابدين بن على " مدعوما من قائد الحرس الوطنى " الحبيب عمار" ، ووزير الدفاع " صلاح الدين بالى " ، وتقرير طبى أصدرته مجموعة من أساتذة الطب تؤكد عدم صلاحية " بورقيبه " الصحية لممارسة مهامه ، وبناءا عليه  تم إستدعاء الدستور للتخلص من الرئيس ، وطبقا للفصل الـ 57 من الدستور الذى ينص على تولى الوزير الأول (رئيس الوزراء ) رئاسة الجمهورية فى حال عجز الرئيس أو وفاته ، وعليه تم وضع الرئيس الشيخ الكبير تحت الإقامه الجبرية حتى وفاته بعد ذلك بسنوات .
وهكذا تمت ترتيبات الحكم بإنقلاب دستورى فى أعلى سلم السلطة وتولى " بن على " مقاليد الحكم ، ولكن بات ينقصه دعم شعبى فى مواجهة خصومه السياسيين ، ولهذا أصدر " بن على " بيانا كتبه بخط يدة وأذاعه على الشعب التونسى ، عرف ببيان 7 نوفمبر 1987 ، والذى وصف " بالتحول المبارك " ، وكان اللافت للنظر هو تأييد أغلبية القوى السياسيه لبيان نوفمبر 1987 .
لماذا أيدت القوى السياسيه ، إنقلابا تم فى قصر الحكم ؟
..............................................................................
فى إنقلابات القصور تكون شعبية الرئيس هى العامل الحاسم فى رجاحة كفة الإنقلاب أو فشلها ، وفى الحالة التونسية ، رحب الشارع السياسى  والشعبى  بخطوة " بن على " فى نوفمبر 1987 ، بسبب كبر سن الرئيس " بورقيبه " وفشل سياساتها الإقتصادية وأفكارة الغريبة والشاذة أحيانا ، وكذلك إنتشار البطالة والفقر وهو ما جعل إنقلاب القصر يمر بسلاسه ، ولكن على الرئيس الجديد أن يؤسس شرعية له تضمن شعبيه ممتدة لحكمه وهو ما تجسد فى نص بيان الـ7 من نوفمبر 1987 ، والذىكتن أبرز ما فيه كالتالى :
" ولكن الواجب الوطنى يفرض علينا اليوم أمام طوال شيخوخته وإستفحال مرضه أن نعلن إعتمادا على تقرير طبى أنه أصبح عاجزا تماما عن الإضطلاع  بمهام رئاسة الجمهورية "
" وبناءا على ذلك وعملا بالفصل الـ57 من الدستور نتولى بعون الله وتوفيقه رئاسة الجمهورية والقيادة العليا لقواتنا المسلحة وسنعتمد فى مباشرة مسؤوليتنا فى جو من الثقة والأمن والإطمئنان على كل أبناء تونسنا العزيزة فلا مكان للحقد والبغضاء والكراهية "  

" الشعب بلغ من الوعى والنضج ما يسمح لكل أبناءه وفئاته بالمشاركة البناءه فى تصريف شؤونه فى ظل نظام جمهورى يولى المؤسسات مكانتها ويوفر أسباب الديموقراطية المسؤوله "
" عرض مشروع قانون للأحزاب وقانون الصحافه "
" لا مجال للظلم والقهر كما نحرص على إعطاء الدولة هيبتها فلا مكان للفوضى والتسيب ولا سبيل لإستغلال النفوذ أو التساهل فى أموال المجموعة ومكاسبها "
" إنه عهد جديد نفتحه معا على بركة الله بجد وعزم وهو عهد الكد والبذل يمليهما علينا حب الوطن ونداء الواجب . لتحيا تونس – لتحيا الجمهورية "
وبعد هذا البيان يتضح التشابه الكبير بين بيان " بن على "  وبين بيان الرئيس " قيس سعيد " ، من حيث شرعنة التغييير أو الإنقلاب  حيث توافق ما حدث مع الدستور ، وكذلك التأكيد على المطالب الشعبية والسياسيه ، وكذلك التأكيد على المضى قدما نحو بداية جديدة لتونس .
ولكن لماذا حدثت أزمة مع بيان " قيس سعيد " ولم تحدث مع بيان " زين العابدين بن على " ؟!
...........................................................................................
لقد كان مشهد منع زعيم حزب النهضة ورئيس البرلمان " راشد الغنوشى " من دخول المجلس من قبل قوات الجيش ، مشهدا لافتا لحجم القوة وحجم التغيير ، حيث حاول الغنوشى أن يدخل ولكنه منع ولم يسمع إلا كلمه من خلف بوابة البرلمان " بأنها الأوامر " ، هنا تحدث الغنوشى بصيغه تراجعية تضمن له التواجد فى المشهد السياسى حتى تنجلى الأزمة ، حيث أثنى على دور قوات الجيش والمؤسسات الأمنيه فى حفظ البلاد والمؤسسات ، ثم إنسحب بعيدا ، فى تلك اللحظه بدا فعليا أن بيان " قيس سعيد " قد نجح فعليا على الأرض بعدما أصبح مدعوما بالدستور ، وتأييد المؤسسات الأمنيه والجيش وجماهير شعبية وأحزاب سياسية ، لكن الأمور لم تسر على نفس منوال بيان نوفمبر 1987 وتعالت أصوات حزب النهضه ( الإخوان المسلمون ) التى وصفت ما حدث بأنه إنقلاب صريحا موجه ضدها وحدها ، مؤيدة بأبواق إعلامية فى قطر وتركيا ، خوفا من تراجع مكاسبها التى إكتسبتها فى أعقاب ثورة الياسمين المجيدة ، ولكنها فوجئت بتناغم سياسى وحزبى تونسى يتفق معها فقط فى أنه لا عودة عن مكتسبات ثورة الياسمين ، ولكنهم إتفقوا على تحميل حركة النهضة ما آلت إليه الأوضاع الإقتصادية وإنتشار الفقر والبطالة وتفشى فيروس كورونا ، وهو ما وضع حركة لنهضة فى وضع لا تحسب عليه ، وتظهر بين الحين والآخر دعوات وتصريحات للخروج والتصادم مع الدوله  وهو فى ظنى تصور خاطئ سيجعل من الدماء وأقبية السجون لغه مستساغه فى المستقبل ، وأن حزب النهضه يجب عليه أن يدرس حادثة " القفصه " فى الثمانينيات والتى سالت فيها الدماء والإعدامات السياسيه لأن تونس له طبيعه حساسة فى التعاطى مع إمتدادات الأفكار (كالإخوان) فى الخارج ، وأن مسألة الإستقواء بالخارج أمر محسوم لصاح الرئاسة وحلفاءها
..................................................................
المشهد التونسى مرتبك وعلى الرغم من تشابة الحوادث بين بيان نوفمبر 1987 ، وبيان 25 يوليو 2021 ، إلا أن نهر الحياة السياسية فى تونس محمل برواسب كثيرة بعضها يطفوعلى السطح وبعضها قابع فى قاع النهر ينتظر إنطلاق الرصاص ليعلن عن نفسه ، وأنه لن يتم إقصاء فصيل سياسى بعينه بصفه جذريه فى المدى المنظور ، ولكن حتما بات من المؤكد أن النظام البرلمانى قد أثبت أنه بعيد عن التطبيق الصحيح فى تونس وأن النظام الرئاسى هو الحل للخروج من تلك الأزمة ، مع إعادة صياغة علاقة جديدة بين مكونات المجتمع السايسى التونسى لصالح شعب خرج فى ثورة عظيمة ألهمت العالم كله ، وأصبحت عنوانا عريضا لا تخطأة العين لثورات الربيع العربى
............................................
تحيا تونس

مساحة حرة .. ثورة 23 يوليو والجمهورية الجديدة



 

بقلم / ياسر رافع

تحل علينا ذكرى ثورة 23 يوليو 1952 هذة الأيام معلنة مرور ستعة وستون عاما على خروج الجيش المصرى من ثكناته معلنا إنتهاء عهد الملكيه وبداية عصر الجمهورية !! ولكن فى هذة السنه يبدوا أن تغيرا جذريا قد وقع فى سياق الحياة المصرية ليجعل من الحديث عن ثورة 23 يوليو يختلف عن سياقاته الماضية والمستمرة منذ ما يربوا على السبعين عاما ، من تراشق وتراشق مضاد من كلا الجانبين المتفقين والمختلفين حول ماهية ثورة 23 يوليو فى مقابل العهد الملكى ؟!
وهذا الحدث السياسى الجديد هو صك شعارعرف " بالجمهورية الجديدة " من قبل النظام السياسى المصرى الذى آتى بعد ثورة 25 يناير و30 يونيو ، فى محاولة لتدشين أو إعلان شكل سياسى وإقتصادى وإجتماعى جديد ، مما يقطع بأن الحديث عن ثورة 23 يوليو سيختلف حتما هذة المرة . لماذا ؟!
...................................................................................
لقد كان إعلان بيان الجيش يوم 23 يوليو 1952 ، قاطعا بأن إنقلابا عسكريا قد وقع فى مصر ، وأن نهاية العصر الملكى قد أصبحت قاب قوسين أو أدنى ، وأن البيان راهن فى كلماته على " أن مصر كلها (الشعب) ستتلقي هذا الخبر بالإبتهاج والترحيب " ، وقد صدق المصريون البيان وتفاعلوا معه وساندوه ، مما جعل موقف الجيش يزداد قوة فى مقابل الملك ورجاله والإنجليز وقوة رجال الإقطاع .
وقد تسارعت الإحداث وسقط النظام الملكى ، وأعلن النظام الجمهورى بقيادة الضباط الأحرار ، ولكن فى غمرة الشعور بنشوة الإنتصار الغير متوقع نجاحه بهذا القدر الباهر ، يبدوا أن هناك من فطن لتوصيف ما قام به الجيش ، وقام بصك تعريفات لتبدوا قريبه من الشعب ، خصوصا وأن الضباط الأحرار راهنوا منذ اللحظة الأولى على إلتفاف الشعب حولهم ، ومنها " الحركة المباركه " على سبيل المثال ، ولكن تم إعتماد مصطلح " ثورة 23 يوليو " ليكون عنوان ماقام به ضباط الجيش من أجل التغيير .
ولكن مع مرور عشرات السنوات لا زال هناك من يستهك نفسه ووقته فى محاولة تعريف ما حدث يوم 23 يوليو 1952 ، هل هو إنقلاب أم ثورة ؟! ولكننى أميل لكونه ثورة .... لماذا ؟
.................................................................................
إن الثورات تقوم على مبادئ ، ومفكرين ينظرون لها ، وقادة يقودونها نحو النصر والتغيير ، وهذا ينطبق على الثورة الفرنسيه فى فرنسا ، والثورة البلشفيه فى روسيا ، ولكنه لا ينطبق بالتأكيد على الثورات الشعبيه التى تكون أشبه بالإنتفاضات التى تحمل مطالب مشروعه لكن تفتقر للتنظيم والإطار الفكرى ، بل تفتقر لقائد جامع تلتف حوله الجماهير . وتلك الثورات الشعبيه هى السائد فى التاريخ المصرى إذا إستثنينا " الثورات المسلحه " لقطاعات سكانيه معينه ضد سلطة الحكم فى العاصمه  ، وبالتأكيد ثورة 25 يناير فى مصر ليست إستثناءا من هذا التحليل .
وعليه فإن الثورة عندما تحكم فإنها تعمل على خلق حالة مفاصله تاريخيه بين الماضى والحاضر ، والعمل على تغيير مجرى نهر الحياة فى إتجاة آخر يعزز مكانتها ورؤيتها تجاة تغيير المجتمع ، وعليه فإن الحديث عن ما جرى فى 23 يوليو 1952 من أنه ثورة أم إنقلاب ؟ يصبح حديثا مختلطا يجب التدقيق فيما حدث بدقه لتبيان الفارق الضئيل بين الثورة والإنقلاب .
إن ما يجمع حركة الضباط الأحرار بمنطق الثورات ، هو المبادئ السته التى أعلنوها كإطار جامع ، وقادة قادرون على تنفيذ الوعود ، لكن الحركه كانت تفتقر لإطار فكرى ومنظرين فى الداخل الشعبى سرعان ما تجاوزته بإلتفاف الشعب حول الجيش ، وعليه يصبح الشق الثانى من الثورة هو الأهم للحكم عليها ألا وهو ما الذى حدث لنؤكد أن ما حدث قد تحول لثورة ممتدة غيرت مجرى نهر الحياة فى مصر ؟
مع ترتيب البيت الداخلى فى بدايات حركة الضباط الأحرار ، بدأت تغييرات كبرى تنذر ببداية عهد جديد كليا ، فقد تم إنهاء النظام الملكى وإعلان النظام الجمهورى لأول مرة فى التاريخ المصرى ، وحل الأحزاب السياسيه وإستبدالها بحزب واحد وهو الإتحاد الإشتراكى ، وجرى إنهاء النظام الإقتصادى القائم على الإقطاع الزراعى وإستبداله بالنظام الإشتراكى ، كما أعلن لأول مرة منذ ما يربوا على القرنين والنصف من حكم الأجانب لمصر منذ إنهيار الدوله الفرعونيه القديمة عن تولى المصريين دفة الحكم بعد تلك الفترة الطويله وذلك مع الإنتهاء الفعلى  لجلاء القوات الإنجليزيه المحتله لأرض مصر.
ثم بدأت عملية التحديث تطال كل القطاعات حتى كان الحدث الأبرز فى التاريخ المصرى الحديث وهو تكون طبقه متوسطه مصرية لأول مرة فى التاريخ فى حجم مساحتها المجتمعيه ودورها المؤثر فى الحياة المصرية على كافة الأصعدة .
ومن هنا يصبح الجدل حول فكرة الإنقلاب أو الثورة ، هو عقم فكرى وتكلس لأناس لا تريد أن تسمع أو ترى أو تقرأ أو تبحث عما جرى قبل وبعد يوم 23 يوليو 1952 ، لقد حدثت المفاصله بين عهدين ونظامين وعالمين مختلفين ، ولم يعد الماضى قابلا للتكرار ، ولكن هل لا زالت ثورة يوليو صالحه حتى بعد قيام ثورة 25 يناير و30 يونيو ويكون الحديث عن جمهورية جديدة بمثابة إستكمال لها ؟ أم أن الجمهورية الجديدة بدايه جديدة ومختلفه ؟!!
...................................................................
مما لا شك فيه أن شرعية ثورة 23 يوليو سقطت بعد نكسة 1967 ، وسقط مشروعها السياسى داخليا وخارجيا ، وهذا على لسان منظرها الأول الكاتب الأستاذ " محمد حسنين هيكل " ، وهو ما أكده الرئيس " عبد الفتاح السيسى " عندما أشار إلى تدهور الدوله المصرية سياسيا وإجتماعيا وإقتصاديا قائلا " بأنه ليس هناك دوله بل شبه دوله بعد نكسة 67 " ، مما يقطع الطريق حتى على أنصار دولة يوليو بأنها لا زالت موجودة وراسخه بل إنها تحكم لمجرد إستمرار قادة الجيش فى حكم مصر وهذا ليس صحيحا بالمرة .
إن ما يؤكدة الرئيس المصرى " عبد الفتاح السيسى " على قيام " جمهورية جديدة " يجعلنا نتساءل حول ماهية تلك الجمهورية !! وماهى أبرز ملامحها ؟
من المؤكد أن الحديث عن شكل مكتمل للجمهورية الجديدة هو شئ غير منطقى ، ولكن نستطيع أن نتلمس بعضا من جوانبها ، فالرئيس " السيسى " يبدوا أنه معجب بالتجربة الإقتصاديه للرئيس " عبد الناصر " ولكن ليس بإشتراكيتها بل بشكل رأسمالي  بمفهوم التنميه الشامله والتى تطال كل مناحى الحياة فى مصر ، ولكنه يعتب على عدم وجود منظومه إعلاميه كما قال سابقا " عبد الناصر محظوظ بإعلامه " تسانده ، ربما لعدم وجود إطار فكرى معين يحدد ملامح وشكل الحكم . الحديث عن ثورة شعبيه ساندها الجيش فى 30 يونيو 2013 ليس مصوغا لقيام مشروعيه لجمهورية جديدة إلا إذا غلفت بإطار فكرى يحدد ملامحها وطريقه تعاطيها مع الداخل والخارج .
النظام الإقتصادى للجمهورية الجديدة فى حال إكتماله سيعد مفاصله تاريخيه مع نظام 23 يوليو ، بين النظام الإشتراكى والنظام الرأسمالى ، وبالتالى سيحدث تغير إجتماعى بدأت بوادرة فى الظهور متمثلة فى تآكل الطبقه المتوسطة حتى تنتهى وطأة التغيير من النظام الإشتراكى للنظام الرأسمالى وتتشكل ملامح المجتمع النهائيه ولسنوات قادمه . وكذلك النظام السياسى الذى يبدوا أنه يماثل تجربة ثورة يوليو لكنه بالتأكيد لن يتكرر بسبب عدم معقولية التكرار فى أزمنه سيادة التكنولوجيا المعرفيه  ، وهو بعد ما زال فى طور التشكل .
وعليه فإنه على الرغم من عدم إكتمال الشكل النهائى لما يعرف " بالجمهورية الجديدة " للنظام المصرى الحالى ، إلا أنه بالقطع لن يكون إمتداد لثورة 23 يوليو 1952 ، وعليه فإن الإحتفال بتلك الثورة لن يعدوا كونه تذكيرا وتعريفا للأجيال الحاليه  بمن قام بإنشاء أول جمهورية فى التاريخ المصرى
............................................

مصر والحرب حول سد النهضة بين الإستطاعه والقدرة !!



 

بقلم / ياسر رافع

تعالت الأصوات الشعبية فى كلا من مصر والسودان بالمطالبه بعمل عسكرى يتم بموجبه هدم سد النهضه من أجل ضمان جريان مياة النيل الذى يغذى الملايين من الناس فى مصر والسودان ، لكن على المستوى العسكرى لم تصدر تأكيدات بعمل عسكرى من قبل الدولتين بل وأفسحتا المجال على إتساعه لكل الجهود الدبلوماسيه والسياسيه من أجل التوصل لحل سلمى يجنب دول حوض النيل ويلات الحروب ، وإن كانت المناورات العسكرية بين مصر والسودان ، والإتفاقات العسكرية المصرية مع دول الجوار الأثيوبى أعطت إشارات لا تخطأها العين للجانب الأثيوبى أنه فى حال فشلت الدبلوماسية والحلول السياسية للأزمة فحتما اللجوء للسلاح سيصبح أمرا لا مفر منه  .
ولكن تأتى تصريحات الجنرال الأثيوبى " بوتا باتشاتا " مدير إدارة الهندسة بالجيش الأثيوبى ، لتدفع بسقف التحدى الأثيوبى إلى حدود الإستعداد للحرب ، ففى تصريحات وصفتها مصر بالإستفزازية صرح قائلا " مصر والسودان لن تستطيعا حل مشكلة سد النهضه عسكريا ، لأنه لا يمكن تدمير السد بقنابل الطائرات المقاتلة ، وهم يعرفون أن السد متين " ، وكذلك " نأمل بحل مشكلة السد من خلال النقاش وقد بدأت حكومتنا المرحلة الثانية من ملء السد ، ومتى إنتهت هذة المرحلة سيكون كل شئ آمنا وسيأتى الجميع لبحث مقترحات تقاسم المياة ، ليس بناء السد وإنما كيفية تقسيم المياة " ، وأضاف قائلا " أن الجيش الأثيوبى مستعد لصد أى عدوان يحاول تقويض سيادتنا ونحن جاهزون للدفاع " .
فى المقابل خرج وزير الخارجية المصرى " سامح شكرى " ليرد على تصريحات الجنرال الأثيوبى قائلا " تصريحات إستفزازية ، ونحن نعلم ما هى مصلحة مصر وحقوقها وحقوق الشعب المصرى وكيفية الدفاع عنها بكل الطرق " ، وأضاف " نلجأ لكل الأجهزة والآليات الدولية ، وهذا لا ينفى بأن لدينا القدرة والإصرار على عدم الإضرار بمصلحة الشعب المصرى ، وفى حال وقوع الضرر لن تتهاون الدولة المصرية فى الدفاع عن مصالح شعبها "
ما بين " عدم إستطاعة " الجنرال الأثيوبى ، وبين " قدرة " وزير الخارجية المصرية ، تكمن معضلة الأزمة الحالية لسد النهضة حيث بدأت سحب الحرب تتجمع لتنذر بواقع جديد ربما تمتد تداعياته لسنوات طويلة قادمه . فهل تستطيع مصر عسكريا ؟ وهل لديها القدرة على فعل ذلك ؟
...........................................................................................
تعرف القدرة على أنها أعم من الإستطاعه ، لأن الإستطاعه " إنطباع الجوارح للفعل " أما القدرة " هى ما أوجب كون القادر عليه قادرا " ، ولهذا فالإستطاعه أخص من القدرة وكل مستطيع قادر وليس كل قادر مستطيع .
من هذا المنطلق تشابهت الحوداث والأحداث الحاليه مع أحداث ما قبل إندلاع العلميات العسكرية لحرب أكتوبر 1973 ، فعلى الرغم من إحتلال إسرائيل للأراضى المصرية إلا أن مصر لم تدخر جهدا سياسيا ودبلوماسيا يدعم موقفها ضد إسرائيل إلا وسعت إليه ، فى مقابل تقوية قوتها العسكرية ، ومع ذلك وصلت الأمور الساسية والدبلوماسيه إلى طريق مسدود ، وأصبح الحديث عن عدم " إستطاعة " مصر القيام بعمل عسكرى من قبل إسرائيل وحلفاءها الغربيين وأمريكا هو الحاكم على تحركات مصر الدبلوماسية  ، وأصبحت تصريحات القادة العسكريين الإسرائيليين عن عدم إستطاعة مصرعبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف مسألة إعتيادية ، ترسخت فى ذهن الإسرائيليين ، أيدها موقف أمريكى داعم وبشدة ورافض للمواقف المصريه تمثلت فى حديث " هنرى كيسنجر " مستشار الأمن القومى ، مع وزير الخارجية المصرى " حافظ إسماعيل " الرافض لأى تنازلات إسرائيليه وأمريكيه لمصر لأن " مطالب مصر بأى تنازلات أو غنائم المنتصرين وهى مهزومة هى عبثيه وعليها أن تخلق أزمة  " .
 لهذا كانت التصريحات الإسرائيليه بعدم الإستطاعة والتعنت الأمريكى بمثابة وقود شعبى مصرى للهجوم على قيادته المتخاذلة التى لا تستطيع الحرب ولهذا كانت مظاهرات الطلبه قبل إندلاع حرب أكتوبر بشهور ، ولكن مع بداية شهر أكتوبر 1973 أيقنت القيادة المصرية أن سبل الحل السياسى والدبلوماسى قد وصلت لطريق مسدود ورسخ فى يقين إسرائيل وقطاع كبير من الشعب المصرى أن مصر لن تستطيع القيام بالحرب لتحرير الأرض رغم الإستعدادات العسكرية وشراء معدات عسكرية بمليارات الدولارات .
هنا إتخذت القيادة المصرية قرار الحرب ، لهذا كانت العلمليات العسكرية مع إنتصاف يوم السادس من أكتوبر بداية لعهد جديد فى السياسة  وعودة الأرض والحقوق المسلوبة ، والأهم من ذلك عودة الثقة الشعبية المصرية فى قيادتها وأنها تستطيع بل وقادرة على الفعل على الرغم من إنسداد الأفق السياسى .
ومع إنتصار القدرة المصرية على عدم الإستطاعة الإسرائيلية ، تغيرت معطيات السياسة فى الشرق الأوسط بكاملة وأصبح ينظر لمصر حتى وهى فى أضعف حالاتها على أنها تملك الإستطاعه والقدرة على تغيير معادلات القوة فى المنطقة إذا ما قررت ذلك .
لهذا هل كانت تصريحات الرئيس المصري " عبد الفتاح السيسى "  التى حذر فيها قائلا " ستشهد المنطقة حالة من عدم الإستقرار لا يتخيلها أحد ومن يريد أن يجرب فليتفضل " ، و " محدش يتصور أنه يقدر يبقى بعيد عن قدرتنا " فى معرض ردة على سؤال حول سد النهضه ، عنوانا عريضا على إستطاعة مصر وقدرتها على إدارة سيناريوهات الحرب فى حال إنسداد الأفق السياسى والدبلوماسى  ؟ وهل تنتظر القوات المسلحة المصرية قرارا إستراتيجيا وتوجيها يحدد لها ملامح العمليات العسكرية من قبل القيادة ؟ كل هذا مغلف بغضب شعبى ينظر بعين الأمل لتكرار سيناريو حرب أكتوبر 73 لثقته فى إستطاعة بلادة عسكريا ، وثقته فى قدرة قواته المسلحه على الفعل ، لكنه متخوف كما قبل حرب أكتوبر من إطالة أمد الحل السياسى .
هل تفعلها مصر مرة آخرى بقوة السلاح بعدما خذلتها السياسة ؟
.......................................................................................
كان التوجيه الإستراتيجى للرئيس " السادات " الموجه للفريق أول " أحمد إسماعيل " وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة ، مبنى على " الظروف المحيطه بالموقف السياسى والإستراتيجى " ، والذى بناءا عليه قرر تكليف القوات المسلحة  بثلاث تكليفات آساسية :
- إزلة الجمود العسكرى الحالى بكسر وقف إطلاق النار إعتبارا من يوم 6 أكتوبر 1973
- تكبيد العدو أكبر خسائر ممكنة فى الأفراد والأسلحة والمعدات
- العمل على تحرير الأرض المحتلة على مراحل متتالية حسب نمو وتطور إمكانيات وقدرات القوات المسلحة سواءا منفردة أو بالتعاون مع القوات المسلحة السورية
بهذا التوجيه نجد أن الظرف التاريخى الحالى مشابه لحرب أكتوبر ، فالجمود السياسى سيد الموقف ، وأثيوبيا تريد إحتلالا للموارد المائيه تتحكم بموجبه فى السيادة المصرية ، وتبدلت الأدوار بين سوريا التى شاركتنا إحتلال الأرض بالسودان التى تشاركنا التلويح بإحتلال الموارد المائيه  . وعليه فإن توقع المصريين والعرب ومن خلفهم العالم بأن تقوم مصر بعمل عسكرى هو نابع من يقين تؤيدة وقائع تاريخيه ثابته تعززها شواهد الإستعدات العسكرية وشراء الأسلحة الجديدة والمتطورة ، فى توازى مع تحركات سياسية ودبلوماسية محمومه على مختلف الأصعدة العربية والإقليمية والعالمية ، ووسط صلف أثيوبى ينظر للدولة المصرية على أنها لا تستطيع شن حرب .
فهل تشى الحوادث الحالية بشواهدها السابقه بقرب صدور قرار رئاسى مصرى بتوجيه إستراتيجى للقوات المسلحة المصرية بالقيام بعمليات عسكرية ليس فقط لمهاجمه سد النهضه ، بل وإرجاع المنطقة لحدود ما قبل الصلف الأثيوبى وحلمه بسيادة إمبراطورية وهمية على دول حوض النيل .؟!
.............................................................................................
مصر تستطيع وقادرة على الفعل عندما تغلق الأبواب فى وجه الحل السلمى ، لهذا حوى التوجية الإستراتيجى لحرب أكتوبر 1973 حدود الإستطاعه والقدرة فى " تحدى نظرية الأمن الإسرائيلى عن طريق عمل عسكرى " وكذلك " إقناع العدو أن مواصلة إحتلاله لأراضينا يفرض عليه ثمنا لا يستطيع دفعه " وعليه " فإن نظرية الأمن على أساس التخويف النفسى والسياسى والعسكرى ليس درعا من الفولاذ يحميه الأن أو فى المستقبل"
وعلى ذلك يقف ملايين المصريين منتظرين توجيها إستراتيجيا يطرب أسماعهم حال إندلاع الحرب التى لا يرغب فيها أحدا ، يختلف فيه العدو وطبيعة سياسته العدوانيه ، ولكن تبقى حدود الإستطاعة والقدرة وثقة المصريين فى قواتهم المسلحة هى الأمل بين طيات هذا التوجيه والذى يرغبون فى أن يحتوى نصه ما يلى " تحدى نظرية فرض سياسة الأمر الواقع الأثيوبية عن طريق القيام بعمل عسكرى حسب إمكانيات القوات المسلحه ، يكون فيه إلحاق أكبر قدر من الخسائر بالعدو وإقناعه بأن مواصلة تعنته ومحاولة إحتلاله لمواردنا وإحتكارها يفرض عليه ثمنا لا يستطيع دفعه ، وبالتالى فإن رؤيتها لهيمنة أثيوبية على القرار المصرى عبر التحكم فى مياه النيل فهذا ليس درعا من الفولاذ يحميها الأن أو فى المستقبل " .
....................................................................................
نحن لا نريد حربا ، ولكن فرضها علينا يجعلنا فى إنتظار البيان رقم واحد من القوات المسلحة المصرية عبر شاشات الميديا وآثير موجات الراديو تعلن فيه بداية العمليات العسكرية لكسر شوكة عدو وهدم نظريات وأوهام تهدد مستقبلنا ومستقبل أولادنا

التيار الإسلامى .. إنقلاب إستراتيجى أم تحرك تكتيكى ؟




بقلم / ياسر رافع

فى العمليه العسكرية المعروفه " بعناقيد الغضب "  1996 والتى كانت تستهدف المقاومة اللبنانيه فى جنوب لبنان ، مئات اللبنانيين الهاربين من جحيم العمليات الإسرائيلية يحتمون بقوات الأمم المتحدة ، وخاصة المنطقه الخاصه بقوات دولة " فيجى " ، ولكن ذلك لم يشفع لهم ، فقد قام الطيران الإسرائيلى بقصف مقر القوة الفيجيه وقد أسفر القصف عن إستشهاد 106 من المدنيين الأبرياء ، وأجتمع مجلس الأمن لإدانة المجزرة الدمويه إلا أنه فشل بسبب الفيتو الأمريكى ، وقد تضخمت الأزمة وتحولت الدماء إلى لعنه سياسيه أصابت الأمين العام للأمم المتحدة المصرى " بطرس غالى " وفقدانه لمنصبه لوقوفه ضد الممارسات الإسرائيليه ، وفى الداخل الإسرائيلى لم يستطع أحد أن يحتوى أثار تلك المجزرة الدمويه التى إستغلها حزب الليكود من أجل الفوز فى الإنتخابات التى تلت المجزرة ، وهنا حاول " شيمون بيريز " الملطخة يديه بدماء الشهداء اللبنانيين أن ينقذ حزب العمل من فقدان رئاسة الوزراء لصالح حزب الليكود ونجمه الصاعد أنذاك " بنيامين نتنياهو " ، ولم يكن أمامه إلا أصوات النواب العرب " القائمة العربيه " لينضموا لتحالفه لضمان رئاسة الوزراء ، ولكنهم رفضوا أن يتحالفوا مع قاتل ملطخة يديه بدماء العشرات من الضحايا العرب ، وأتجه " شيمون بيريز" إلى القاهرة لعله يجد من يستطيع أن يؤثر على نواب القائمه العربيه وتعديل رأيهم لكن القاهرة أدارت له ظهرها ، فقد كانت المجزرة أكبر مما تتحمله الأعصاب المنفلته فى المنطقه العربيه ، وهكذا سقط " شيمون بيريز " وأنتهى نجم السياسه الإسرائيليه .
مع تطورالأحداث فى حى الشيخ جراح بالقدس فى شهر رمضان الماضى ، إندلعت العلميات العسكرية بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينيه فى قطاع غزة ، وتصادمت حملة " حارس الأسوار " العسكرية الإسرائيليه مع مقاومة " سيف القدس " الفلسطينيه ، وقد بدا مع تصاعد الأحداث أن الفصائل الفلسطينيه قد حققت نصرا سياسيا كبيرا حمل معه تعاطف دولى كبير بعدما ظن الجميع أن القضيه الفلسطينيه قد ماتت ، ومع وقف إطلاق النار بين الجانبين ، وإعلان حركة " حماس" نيابة عن الفصائل الفلسطينيه إنتصارها عسكريا وسياسيا ، كان المشهد على الجانب الإسرائيلى مختلفا ، فعلى الرغم من إعلانه أنه حقق إنجازات عسكرية كبيرة ضد حركات المقاومه ، إلا أنه على الجانب السياسى الداخلى فقد وضح جليا أن نجم " بنيامين نتنياهو " قد شارف على الأفول ، والذى دخل حرب غزة لكى يضمن له حشد يجعله يشكل الوزارة ، لكن الفشل فيها جعل من مهمه أحزاب اليمين الأخرى سهله وميسورة لإسقاط أكثر رئيس وزراء تولى المنصب فى تاريخ إسرائيل ، وكما أسقطت القائمة العربيه " شيمون بيريز " سابقا برفضها التحالف معه ، فقد قامت الحركة الإسلاميه بالخروج على تحالف القائمه العربيه وتحالفت مع أحزاب اليمين اليهودى من أجل إسقاط " نتنياهو " .
وهكذا شهد الداخل العربى فى إسرائيل زلزالا كبيرا بتحالف التيار الإسلامى مع اليمين اليهودى ، فهل هذا الزلزال سيكون له وقع على السياسه العربيه ؟
............................................................................................
لقد مثلت نكسة يونيو 1967 التى تمر ذكراها الـ 54 هذة الأيام ، نقطة تحول كبيرة فى مسيرة التيار الإسلامى فى السياسة العربيه ، فقد بدأ إنحسار التيار القومى المناوئ له ، وبدأت دول خليجيه وإقليميه تدعم صعود تيار الإسلام السياسى مدعومه بتأييد أمريكى غربى يرى فى صعود تيار الإسلام السياسى حائط صد ورأس حربة فى الحرب ضد الإتحاد السوفيتى الملحد . ولكن مع بداية الثمانينيات من القرن العشرين وتشابك المصالح بين التيار الإسلامى والحكومات العربيه ظهرعائق فكرى وأيديولوجى أمام إكتمال الشكل السياسى بينهما ، وهذا العائق تمثل فى نظرة ذلك التيار للديموقراطيه كوسيله لتداول السلطه والتى كان يراها " كفرا بواحا " ، ولهذا كان خروج " الإخوان المسلمين " الفصيل الأكبر والمهيمن على التيار الإسلامى عن الإجماع بكفر النظام الديموقراطى  صدمه كبيرة ، وهو ما قوبل بعاصفه من التكفير من فصائل التيار الإسلامى الأخرى ، وعاصفه من الإنتقاد الحادة من التيارات السياسيه والفكريه المناوئه للإخوان المسلمين والتى أبدت تخوفها من ظهور فصيل سياسى سيبتلع المجتمع بالكامل وسيقضى عليهم ، وأستمر صعود تيار الإسلام السياسى فى المنطقه العربيه وتولى الحكومات وشارك فى المجالس النيابيه والتشريعيه وتماهى مع الحكومات العربيه من الخليج للمحيط ، وقد بدا أن تيار الإسلام السياسى قد شارف على النضج السياسى وأنه قادر على الإمساك بزمام اللحظه التاريخيه التى لاحت له مع قيام ثورات الربيع العربى 2011 ، لقيادة المنطقه بطريقة ديموقراطية بحسب قواعد اللعبه السياسيه التى بدأت بعد نكسة 67 ، إلا أن الدماء التى سالت أنهارا فى الشوارع العربيه قامت بخصم من رصيد التيار الإسلامى ، وكذلك خريطة تحالفاته الإقليميه بدول الجوار العربى ، كل ذلك جعل من إيمان التيار الإسلامى بالديموقراطيه محل شك لدى الشارع العربى بما فيه الدول التى نجح فيها وتولى الحكومه مثل المغرب .
وبعد عشر سنوات من إندلاع ثورات الربيع العربى ، وتوزع خريطة ولاءات التيار السياسى الإسلامى بين التحالف والصدام بين الدول العربيه المختلفه إلا أن عاملا جديدا قد ظهر يبشر بتغيير كبير فى تعاطى التيار الإسلامى مع معطيات الواقع وفق ما تقتضيه المصالح الوطنيه داخل الدوله القطريه وهو ما كان يتعارض سابقا مع شمولية الفكرة الإسلامية ورفضها لفكرة الدولة الوطنية ، وقد ظهر هذا جليا فى هجوم التيار الإسلامى فى الدول العربية على حزب العدالة والتنمية الإسلامى فى المغرب والذى يترأس الحكومة هناك بسبب إعترافه وموافقته على التطبيع بين المغرب وإسرائيل ، ولكن رئيس الحكومه المنتمى للتيار الإسلامى رد الهجوم بهجوم مضاد أعلى فيه من مصالح المغرب والتى ربطت بين التطبيع وقضية الصحراء الغربيه ، وقد كان بيان حركة "حماس " هو الأعلى صوتا فى مهاجمة حزب العدالة والتنمية المغربى بإعتبار أنهما ينتميان إلى نفس التيار السياسى " الإخوان المسلمون " ، ولكن برد رئيس الحكومه المغربيه خفت صوت التيار الإسلامى المنتقد للتطبيع المغربى الإسرائيلى ، وخفت صوت حماس المنتقد ، وأستدار الجميع لإنتقاد التطبيع الخليجى للتغطيه على أحد أبرز التغيرات فى تاريخ التيار الإسلامى السياسى
وعلى الرغم من إنتقاد حماس لموقف إخوان المغرب بسبب التطبيع ، إلا أنها لم تنتقد إتفاق إخوان الداخل الإسرائيلى والتحالف السياسى من أجل مكاسب هامشيه لن تغير كثيرا فى معادلات السياسه الإسرائيليه تجاة القضيه الفلسطينيه .
ما الذى يحدث ، هل التيار الإسلامى يتبع إستراتيجيه جديدة فى التعاطى مع الواقع العربى والدولى ، إعتراف بخصوصية الدولة الوطنيه " المغرب مثال " ، وتعاطى مع سياسة الواقع وتأجيل فكرة شمولية الفكرة والتطبيق إلى سنوات قادمه " مثال ليبيا وتونس وعرب 48 " ؟
.......................................................................
بعد الهجوم من الأحزاب العربيه المشكلة للقائمة العربيه الموحده – الكيان السياسى لعرب 48 – على الحركة الإسلامية لإتفاقها مع اليمين اليهودى ، صرح " منصور عباس " رئيس القائمة " إننا نوقع إتفاقا تاريخيا لدخول الإئتلاف الحكومى يوفر حلولا لمشاكل مجتمعنا العربى الحارقة فى مقابل مكاسب وإنجازات هى الأضخم والأوسع لصالح مجتمعنا العربى " وأضاف قائلا " أن هذة الخطوة تهدف إلى ترسيخ مكانة الأحزاب العربية كلاعب مؤثر وشرعى فى الساحة السياسية " . كل هذا وسط صمت حماس المنتميه لنفس التيار الإسلامى ، والتى تهاجم على خلفية التماهى مع الوساطه المصرية خوفا من إنخراطها السياسى مع إسرائيل ، لأن حماس تمثل الأمل الأخير للتيار الإسلامى فى الدول العربيه التى يعانى فيها من أزمة سياسية وأمنيه كبيرة حيث تمثل جوهر الفكرة الإسلامية المقاومة الرافضه للتطبيع والتى إن دخلت معترك السياسه على الأرض فإنها ستدخل هذا التيار فى تلك الدول فى أزمة شرعيه ومشروعيه ليس فقط أمام أنصارها بل أمام جموع شعوب تلك الدول .
هكذا وبكل بساطه خرجنا من أزمة غزة الماضية على واقع عربى جديد ، يقودة هذة المرة منفردا تيار الإسلام السياسى بمعطيات جديدة عليه ، تظهر فى الإعتراف بفكرة الوطنيه فى المغرب وتونس ، وإعتراف بشرعية الحكومه الإسرائيليه بل ومشاركتها الحكم تحت دعاوى تحقيق المطالب العربيه ، مأزق سياسى حاد فى بقية الدول العربى يعانى فيها التيار الإسلامى من التهميش تدفعه مصالحة للتحالف مع أعداءة فى دول ويتحالف معها فى دولة أخرى دونما الإستقرار على شكل سياسى مكتمل .
هل ذلك كله يعبرعن تغيرات إستراتيجية جديدة فى فكر التيار الإسلامى ؟ أم مجرد تكتيكات مرحلية للتماهى مع مرحلة تاريخيه معينه يكون بعدها لكل حدث حديث آخر ؟
.................................................................................
إن الشئ اللافت للنظر فى السياسة العربية الحالية هو وجود ثلاثة لاعبين رئيسيين فقط ، الملكيات الوراثية وجيوش الجمهوريات والتيار الإسلامى ، ولا عزاء لبقية التيارات الفكرية والسياسية العربية التى أفلتت منها الفرصة التاريخية ورحلت إلى زوايا النسيان العربى ، وعلية فإن التغيرات التى حدثت خلال العامين الماضيين إلى الأن يجب أن لا تمر مرور الكرام ، فالذى حدث فى المغرب ، وعرب 48، وتونس ، وليبيا هو مؤشر على مقدمات كبيرة لتعامل الحكومات العربية مع تيار إسلامى غير صدامى يتعاطى مع فكرة الوطنية ويقبل الحلول الوسطى فى التعامل السياسى مع العدو قبل الصديق ، وهو فى ظنى مقدمة لإعادة ترتيب البيت العربى بموافقة الجميع . عربيا وإقليميا ودوليا .
وإلى أن تتضح الصورة كاملة ، فعلى الشارع العربى أن يتعود على فكرة الإنكسارات الكبرى فى توجهات التيار الإسلامى الذى يعانى مخاضا جديدا ، يتحول فيها من فكرة جامعة مانعة تهدف إلى خلود أعضاءها فى الفردوس الأعلى من الجنة ، إلى حزب سياسى يحمل أيديولوجيا سياسيه إسلامية تراعى متطلبات المجتمع ككل ويتعاطى مع مقتضيات المصالح الوطنيه دونما إقصاء لأحد . ولكن فى المقابل يجب على الشارع العربى أن يتجهز لعوارض ذلك المخاض والتى ستكون بلون الدم فى بعض المناطق نتيجة صدام محتمل بين انصار التيارات الإسلامية المتصارعة والمتقاطعه فكريا .
.....................................................................................
ويبقى السؤال الذى لا توجد له إجابه منذ بداية القرن الواحد والعشرين وربما من قبله بسنوات قليلة ، وهو أين بقية الأحزاب العربية من الساحة السياسية والتى يراد منها أن تكون عامل توازن فى مواجهة تيار الإسلام السياسى ؟

مقدمة كتابى .. صديقى الوهمى محاولة ما قبل السقوط النهائى

  بقلم ياسر رافع " إحنا جيل مظلوم " ، عباره سمعتها كثيرا منذ نعومة أظفارى من أجيال مختلفة الأعمار والمشارب الثقافيه والإجتماع...